فيلم «إركالا – حلم جلجامش»: بين الواقع والاسطورة، رحلة طفولة في بغداد الممزّقة

«إركالا – حلم جلجامش : Gilgamesh’s Dream» هو فيلم درامي عراقي صدر عام 2025 في إنتاج دولي مشترك بين العراق، الإمارات، فرنسا، المملكة المتحدة، السعودية، وقطر، ويُعرض ضمن المنافسة الرسمية للأفلام الروائية الطويلة في مهرجانات كبرى مثل مهرجان لوكارنو السينمائي الدولي.
أخرجه محمد جبارة الدراجي Mohamed Jabarah Al‑Daradji، المعروف بأعماله التي تربط سرد الحرب والذاكرة بالإنسان العادي، وتُعرض عادة في محافل دولية. يؤدي البطولة شم‑شم، طفل شوارع يبلغ من العمر تسع سنوات، الذي يعيش في بغداد الممزّقة ويحاول أن يجد وسيلة لإعادة والديه إلى الحياة عبر بوابة أسطورية في نهر دجلة تقوده إلى «إركالا» – العالم الأسطوري للأموات في الميثولوجيا السومرية المرتبطة بـ ملحمة جلجامش.
يفتح الفيلم فضاءه في مدينة بغداد، تظهر آثار الحرب اليومية: أرصفة مخربة، أحياء مهدمة، أطفال يكافحون من أجل البقاء. غير أن هذه الصورة الواقعية تتسع لتشمل الفساد السياسي والاجتماعي، حيث تُستثمر الأموال في الملاهي في حين تبقى المستشفيات بلا تجهيزات، ويعيش الشعب حالة ضياع، والأيتام في مأساة مستمرة. هنا، لا تُستخدم الأسطورة كزينة تجميلية، بل كمسار سردي يربط بين فقدان الذاكرة الجماعية والألم الشخصي للطفل وسط الخراب.
لا تفقد الطفولة، رغم كل الظروف، حضورها الإنساني . خيال شم‑شم وفنه يفتحان مساحات للهروب من الواقع، ويجعلان من الأسطورة أداة لفهم العالم المحيط. التعليم في الحافلة المتنقلة، رغم بساطته، يُقدّم كفعل مقاوم، حيث يتعلم الأطفال بعيداً عن المدارس المدمرة، ويصبح التعلم نفسه فنًا وفضاءً
يبرز الفيلم التشرد اليومي للأطفال، ويعكس أثر الحرب على بغداد: أحياء مدمرة، شوارع خالية من الأمان، وأطفال أيتام يعيشون في ظل تدهور مستمر. تشرد الطفولة هنا ليس مجرد فقدان للمكان، بل فقدان للبراءة والحق في النمو الطبيعي، وهو ما يجعل البحث عن الأبوين المفقودين رحلة رمزية لإعادة بناء معنى الوجود بعد الانكسار.
لا يقتصر الفيلم على إعادة تمثيل ملحمة جلجامش، بل يجعلها مرآة للواقع الإنساني. الشخصيات الأسطورية، مثل جلجامش والأبقار المجنّحة، لا تُستعمل كديكور، بل كامتداد للخطاب الداخلي للطفل، لتظهر كيفية استعادة التراث الأسطوري كأداة فهم للعنف الحديث. يلتقي الواقع بالرمز في تكثيف سردي يجعل الخراب المادي متناثراً موازيًا لخراب نفس الطفل الباحث عن معنى

يعتمد الفيلم على لغة بصرية دقيقة، تتميز بالتحولات بين الإضاءة والظلال التي تلمّح إلى عالم الحلم، بما يحافظ على حدّة الواقع ويمنحه بعدًا تأمليًا. الكاميرا ترافق الطفل في رحلته، لتجعل من الخراب المادي والرمزي تجربة بصرية متكاملة.
«إركالا – حلم جلجامش» هو فيلم يجمع بين الواقع والخيال، الطفولة والخراب، الأسطورة والذاكرة الجماعية، ليقدم رؤية حساسة عن فقدان الأمان والضمير الاجتماعي وسط عالم محطم. يطرح الفيلم أسئلة حول التشرد، الفساد السياسي، ضياع الشعب، وأثر الحرب على الأطفال والأيتام، دون الانزلاق إلى المبالغة، ويجعل من خيال الطفل وفنه فضاءً للتأمل في المقاومة الإنسانية والبحث عن معنى وجودي وسط الخراب.
قوزية ضيف الله تونس

