لقاء مع المايسترو محمد لسود
بعد النجاح الاستثنائي لحفل دار تونس بباريس
المايسترو محمد لسود، الخطوة الأولى لنجاح العمل الفني هي التقمص الصادق للشخصية
نظمت دار تونس بباريس، سهرة فنية رمضانية تونسية يوم 15 مارس 2025، بحضور سفير تونس بفرنسا، بقيادة المايسترو محمد، في سياق البرمجة الثقافية التي تعدّها باقتدار المسؤولة على القسم الثقافي بمؤسسة دار تونس كوثر الرشيد. وجاءت هذه السهرة في إطار جملة من النشاطات التي تقوم بها جمعية “فوندو” برئاسة الموسيقي أحمد دمق، رفقة مجموعة نيّرة من الموسيقين، وهم إطارات سامية، مهندسين وأطباء، يسهون إلى السهر على الارتقاء بالفن التونسي خارج أرض الوطن، حيث يعدو اللحن التونسي والجملة الموسيقية التونسية، عبقا يستنشق منه التونسي في ديار الغربة، رائحة الوطن والأرض والأهل.
استهل الحفل بباقة من الأغاني التونسية العتيقة، تراوح آداؤها بين الفردي والجماعي، لامست الذاكرة التونسية وحملت الحضور نحو روائح يشتاقونها من تونس، لحنا وصورة من خلال الفيديو المصاحب والمعروض في خلفية الركح (مشاهد من تونس، الأمس واليوم، معالم تراثية وسياحية وأثرية، أزياء تونسية وبورتريهات لتونسيين وتونسيات).
كانت الاختيارات الغنائية التي أدّها الفنان محمّد علي شبيل جامعة راوحت بين العتيق، الصوفي والحديث، فحمل الجمهور نحو عوالم جميلة، وكان التفاعل متميزا وأنيقا.
التقينا الماسترو محمد لسود، بعد الحفل الذي هندس قيادته وفقراته، صحبة الفنان محمد علي شبيل وكان لنا معه هذا الحوار.
*أهلا وسهلا مايسترو محمد لسود، بعد التهنئة بنجاح العرض التونسي بدار تونس، والذي أمتع وأقنع، ماذا لو حدّثتنا عن السياق الذي قُدّم فيه العرض وكيف كان الاستعداد له؟
-يأتي هذا العرض في إطار نشاط تقوم به جمعية “فوندو”، التي تضم كفاءات مغرومة بالموسيقى، وهم في مسيرتهم المهنية ” أطباء، مهندسين…” يعيشون في باريس، جمعتهم الموسيقى، فأسسوا جمعية تقدّم وتنظّم عروضا ثقافية. ونحن نعلم أن أي جملة موسيقية يكون لها وقع خاص على من يتواجدون خارج تونس. كان هذا العرض في شهر رمضان، الشهر الفضيل، ولرمضان طقوسه الفنية والثقافية بالإضافة إلى الطقوس الدينية، فهو شهر الغناء الصوفي، شهر الإنشاد ونستمع أكثر لماهو روحاني وكذلك الطربي الذي لا يتسنى لنا متابعته ربما في سائر الأيام. لقد تمّت دعوتي، بصفتي “قائد أوركستر” لتسيير هذا العمل، وتابعت وسهرت على جميع مراحله. كان معنا الفنان محمد علي شبيل، الذي نحييه على تلبية الدعوة وعلى تقديمه لعرض استثنائي على جميع المقاييس بدار تونس بباريس.
*أنت الآن في في مرحلة اكتمال الشخصية الموسيقية (عزف، قيادة، تلحين) والآن تباشر تجربة جديدة خارج تونس، بتأسيس مدرسة موسيقية (conservatoire) في الدائرة 14 بباريس. كيف حفزتك كل مرحلة من هذه المراحل، للتقدم وتجاوز الصعوبات في مسيرتك اجمالا؟
-أكيد جدا، فلكل مرحلة ميزاتها، لكل مرحلة طابعها وحلاوتها. عندما بدأت كعازف، كنت أتحسّس الموسيقى، الوسط الموسيقي، أفهم كيف تتم الأعمال، وأتابع وألاحظ كيفية اشتغال قائد الفرقة، كيفية توجيهه للفرقة، كيفية عزف كل آلة موسيقية، تقنيات العزف ومرافقة الفرقة للعازف. لقد ساهمت تجربتي كعازف إذن في تكوين شخصيتي الموسيقية. وقد كنت حاضرا في تسجيل العديد من الأعمال الموسيقية، وسجلت عدة أعمال أخرى للمسلسلات والأفلام (صيد الريم، حسابات وعقابات، من أجل عيون كاترين، أولاد مفيدة، من أيام مليح…ناعورة الهواء، )، يعني تقريبا 99 بالمائة من الأعمال التي كانت تسجّل وتتصوّر في تونس، كنت حاضرا فيها ببصمتي الموسيقية.
أطمح بطبعي، إلى التقدّم، لا أحب الرتابة والركود، حتى وان ثمة من لا يعتبره كذلك بما أني أتحرك وأعزف، ولكني أريد إحداث تنويع في تجاربي الموسيقية، لا يجب أن تتجاوز كل تجربة وقتها المراد لها، وهذا ما دفعني وحفزّني للتقدم، والحمد لله، تم تكليفي وتشريفي تحديدا بمسؤولية إدارة الفرقة الوطنية للموسيقى، التي كنت على رأسها من 2013 إلى2021. وأنا مبتهج بكل الانجازات التي تذكرنا بها وسائل التواصل من حين لآخر، تذركنا بكل ما قدّمناه في إطار نشاط الفرقة الوطنية وما ساهمنا به كذلك. وهوأمر مفرح جدا، لأننا حاولنا الاشتغال على كل الأنماط الموسيقية، الموسيقى الصوفية (عرض “سماع” مع الفنان سليم بكوش الله يرحمه، “المشايخ” كذلك في اختتام تونس عاصمة الثقافة الاسلامية)، وفي الموسيقى التقليدية التونسية، موسيقى المالوف (“عرس الطبوع” مع زياد غرسة وكان مشروعا ضخما، وحقق نجاحا كبيرا في تونس وفي الخارج. أما من جهة الاهتمام بالمواهب وبالأصوات الجديدة، شجعنا عدة مواهب، واقترحنا برنامج تلفزي اسمة “التروفي يغني تونسي”، وكانت مادته الموسيقية تونسية مائة بالمائة. وفي مجال التكوين والتعليم، أسسنا مشروع مع الأوركستر الفيلرموني في ألمانيا، وكونا العديد من الأطفال، من منوبة ومن معهد ابن خلدون كذلك والآن منهم من التحق بالمعهد العالي للموسيقى في اختصاصات متنوعة (الكمنجة، الايقاع…).
لقد كانت تجربة ثرية حقا، تولينا أيضا افتتاح قرطاج 2018، وحسب رأيي محمد لسود قائد الفرقة هي تجرة أيضا أخذت وقتها. ومنذ “الكورونا” بدأت شخصيتي كملحن تبرز واشتدّت قوتها علي، تجربة التلحين فرضت نفسها، وأغرمت بها، وكثيرا ما تراودني الجمل الموسيقية فأسجلها في هاتفي ثم أعود لها، لأني غالبا ما أكون منغمس في اعداد مشاريع أو حفلات في الوقت نفسه. يستغرق الاعداد الخاص بكل حفل اشتغالا دقيقا مهما كانت قيمة الحفل، وأنا اهتم بكل التفاصيل الدقيقة، أقف على كل الجزئيات، لأنها هي التي تصنع الفارق، هي التي تخلق التميّز، وهي التي تعطي قيمة أكثر لما نقدّمه من موسيقى.
لقد انتابني الاحساس بأن أحرّرشخصية محمد لسود الملحّن، حتى تتكلم أكثر وتُعبّر أكثر، لذلك ولدت العديد من الأعمال، من أولهم اللحن الذي دخل في الذاكرة الموسيقية التونسية (يا لالّه وينك، توحشتو زينك ) لطفي بوشناق، وهذا العمل يشرفني كثيرا وسعيد به جدا أنني كنت مقتدرا على وضع أغنية تظل حية في الذاكرة التونسية، وأعتبر ذلك معيارا حسنا، أن تغنى في مناسباتنا وأفراحنا. كما أفرح اليوم لسماع أغاني “صليحة” “آه يا خليلة…” يعني اصبحت أغانيها منضوية ضمن التراث اللامادي، في حياتنا.
لحنت كذلك للفنانة اللبنانية ولاء الجندي، وكان لنا شرف الحصول على جائزة الأمير عبد الله الفيصل لأحسن قصيد مغنّى 2022، لحّنت للفنانة فايا يونان كذلك 3 أعمال ( لهجات موسيقية مختلفة: تونسي، خليجي، جزائري)، لحّنت للفنان اللبناني أدهم مروان، الفنان السعودي محمّد هاشم، للفنانة ألفة بن رمضان. بعد ذلك أردت تأسيس مشروع موسيقي في التلحين، مع الفنانة آية دغنوج، وهي صوت صاعد، متمكّن، عنده مستقبل كبير في الساحة الموسيقية التونسية والعربية. بعد ذلك راودتني فكرة الخروج، رغبة في التجديد وتجاوزا للرتابة ولو كانت فيها رفاهتي أو راحتي. انتقلت للعيش في باريس مع العائلة، وأردت خلق فضاء للموسيقى العربية خاصة، تلتقي فيه عدة ثقافات، وباريس هي مفتاح أوروبا، هي مركزها، ففي باريس يمكن أن نستمع إلى كل الأنماط الموسيقية: التونسية، المغربية، الجزائرية، الأرجنتينية، البرازيلية، ..هي مقام لكل الحضارات والثقافات ولجميع الألوان والأنماط الموسيقية المختلفة في العالم. وهكذا ولدت “ميلو ديفار” مدرسة الموسيقى في الدائرة 14 من باريس. وبدأنا فيها نشاطاتنا المختلفة (الآلات، ورشات للغناء الشرقي والغربي).
*كيف تتقوّم انشائية التلحين لديك؟ كيف تستلهم اللحن؟ هل بالعودة للذات، أم للذاكرة والتراث، أم هي مزيج من التراكمات في ذاكرتك تتوالد وتتفاعل؟ متى تقرر أن الجملة اللحنية اكتملت؟
– إن اللحن هو فكرة تأتي لوحدها، تتغذى بالحركة، بالسفر والتمعّن والملاحظة. قد أكون في مكان يلهمني، مثلا يمكن أن أكون مثلا في اسبانيا، فأعود للعصر الأندلسي، أعود إلى استحضار المالوف، وعوالم معينة تؤدي بي إلى ترتب الجمل اللحنية.
*في القيادة الموسيقية ثمة جانب كبير من الآداء أو من التقمّص المسرحي.
–صحيح فعلا، إنّ قائد الفرقة في نظري هو مهندس العرض ككل، فهو الذي يُعدّ التصوّر، ومراحل العرض، تسلسل العمل الموسيقي ككلّ، ويجب أن يُراعي هذا التسلسل العديد من العوامل: الطاقة، طاقة كل قطعة من الآلات الموسيقية، ختى يتقدّم النسق بشكل تصاعدي. أتصوّر أو أمثل قائد الفرقة الموسيقية، بصورة من يُمسك باقة من الورد، ينظر إليه بشكل اجمالي، في كلّيته، وكلما تروق له وردة ما من بين الوردات، فيسحبها، يتأملها ويعيدها إلى الباقة، وثمة خيط خفي، غير مرئي بالطبع يربطه بكل من هو على المسرح من عناصر. يتحكم قائد الفرقة كل مرة خيط من بين الخيوط الخفية، ثم يعيده إلى مكانه، هذا كله في خدمة الحس الفني والصورة التي أريد تقديمها. لمّا أعطي اشارة للإيقاعات، أو للتخفيض من الكلام، حتى يسمح لصوت الفنان بالبروز، أو ليقوم بآداء خانة أو تطريز أو حركة، فإنه يجب أن نعطي لذلك قيمة أكبر، وهو ما يتطلب التخفيف من حضور الفرقة، وبعد ذلك يكون حضور الفرقة أكبر في الأماكن التي يجب أن تكون فيها اللوازم الموسيقية. هذه كلها تقنيات نتوصل لها بالخبرة، المعرفة والدراسة. كما ينبغي أن يكون قائد الفرقة على علم كبير بكل آلة موسيقية، ومستطاع كل آلة وما يمكن أن تقدّمه، ليتمكّن من توظيفه في سياق أفضل وأصحّ. مثلا أقول أن هذه الجملة يتم آداها “صولو” بالكمنجة، أو بالعود، أو بالقانون. فوراء ذلك الاختيار أو القرار، ثمة خبرة وتجربة كبيرتين، حتّى نصل إلى اتقان العنصر الجمالي.
*ثمّة اشتغال ما وراء الموسيقى فيما يُسمّى بسيكولوجية الموسيقى، -وأنت على وعي متبصّر بذلك- وهذا يظهر في الأبعاد الروحية العميقة المتجلية في العزف، التلحين وكذلك في القيادة الموسيقية.
–طبعا، ثمة شخصية كاملة ومتكاملة، وتصديقا لكلامك، أقول أن وراء كلّ أغنية لحّنتها، ثمة شخص،بمعنى شخصيّة، يجب تقمّصها، وهو ما يعطينا الصدق، ونقدر على إيصال العمل لقلوب الناس. لمّا أقول “يا لاله وينك، توحشتو زينك، الشوق فناني والكأس تعبّى” هنا ثمة شخصية العاشق، الذي يحبّ امرأة، وقد تخيلت “رجلا في البلاد العربي، وتمرّ أمامه جارته التي يحبها كثيرا ولا يقدر على التعبير لها عن مدى حبّه لها، إلى أن جاء اليوم وعبّر عمّا يشعر به. مثال آخر، العمل الذي لحنته للفنانة آية دغنوج، “يا سيد الناس، يا محيّر فينا الإحساس، ما فيها بأس، تفكّر، ما فيها بأس، ضاقت الأنفاس”… هذه شخصة إمرأة عاشقة، كأنها تقول “ارحمني يا سيد الناس”..فكان يلزم علي كملحّن أن أعيش الشخصيّة. وفي أعمال أخرى نجد الشخصية صعبة المراس، هذا هو، فينبغي على الفنان قبل أن يبدأ في حفظ النوتة والكلام واللحن، أن يفهم الشخصية الخاصة بالعمل.
*لكل شخصية في أغنية من الأغاني قراءة تأويلية مختلفة إذن؟
فعلا لكلّ أغنية شخصيّة، “هو صحيح الهوى غلاب”، هنا ثمة انكسار، ثمة استعطاف، فلا يمكن أن تُؤدّى بخشونة. ثمة تعبير معيّن، ينبغي ترجمة الكلمة مع اللحن حتّى تعطينا الشخصيّة. تتضافر العديد من العوامل لنصل إلى الشخصية. حسب رأيي فهم الشخصية هي الخطوة الأولى، قبل المرور إلى حفظ اللحن أو الكلمة، لا بدّ من التساؤل عن الشخصية التي أريد يحسّها المتلقي، فعندما يكون الآداء بخشونة فذلك عائد إلى أن العمل يتطلّب ذلك. لمّا كانت أم كلثوم تقول “آه” فقط في وسط الغناية، يهتزّ المسرح..لماذا؟ لأن تلك “الآه” موظفة في سياق معيّن.
*لو حدّثتنا عن مشاريعك المستقبلية.
–سأكون حاضرا في العديد من العروض الموسيقية المقبلة، إن شاء الله، لدي بعض الأعمال التي أشتغل عليها حاليّا، سأكون كذلك مع الفنانة الفلسطينية دلال أبو آمنة في الكويت، وكذلك سأكون مع الفنانة ولاء الجندي في السعودية، مع الفنانة آية دغنوج ضمن سلسلة من العروض. طبعا لا يمكنني ألاّ أتحدّث عن تونس، وعندي زيارات خاطفة لها، منها عرضين في مهرجان المدينة مع الفنانة آية دغنوج، سنكون في القيروان وفي سوسة. بالإضافة إلى الألحان التي تظل الهاجس الذي يعيش به الإنسان-الفنان. وأنا دوما أوثق ما يخطر لي من ألحان في هاتفي، ويختمر اللحن بالتفكير، حتى يكتمل.
حاورته، فوزية ضيف الله