بأي ذات نسأل؟ بأي ذات نكون؟
هل أنا ذاتي؟
قراءة فلسفية لمسرحية “هم” من المغرب، إخراج أسماء الهوري، نص الشاعر المغربي عبد الله زريقة
JTC- Journées théâtrales de Carthage أيام قرطاج المسرحية

تأتي مسرحية «هم» في سياق مسرحي مغربي مشغول بأسئلة الوجود والهوية والتشظّي، لا بوصفها عرضًا يقوم على الحكاية، بل باعتبارها تجربة في تفكيك المعنى وإعادة تركيبه عبر الجسد والصوت والفراغ. تمثّل «هم» المغرب في المسابقة الرسمية لأيام قرطاج المسرحية JTC لا باعتبارها منجزًا تقنيًا مكتملاً فحسب، بل باعتبارها رجّة فكرية وجمالية، تجربة تُمارس التفكير على حافة الجسد، وتُجرّب الجسد على حافة المعنى.
نص عبد الله زريقة، المشبع بروح القصيدة القلقة، لا يقدّم شخصيات بالمعنى الكلاسيكي، بل يضعنا أمام كينات لغوية مضطربة، ذوات متصدعة تتكلم من فجواتها لا من اكتمالها، وتتحرك داخل لغة مشحونة بالتيه، كأن الكلمات نفسها تبحث عن مأوى في جسد المسرح. هنا لا تكون اللغة أداة للتواصل بقدر ما تكون أثرًا للانكسار الداخلي. الجمل قصيرة، متوترة، محكومة بالإيقاع أكثر من الدلالة المباشرة، وكأن زريقة يكتب من داخل شقّ وجودي لا من خارج التجربة. «هم» ليست ضمير غائب فحسب، بل هي ضمير القلق الجماعي، ضمير الآخر الذي يسكن الذات ويقوّض استقرارها.

وفي «هم» لا تُقال الجملة لتُفهم، بل لتُحَسّ. اللغة ليست وسيلة، بل ارتجاج داخلي، شظية وعي تتكوّر حول ذاتها. الصوت لا يخرج من الفم، بل من الشقوق العميقة للوجود، من تلك المنطقة التي تسبق المعنى وتؤجّله في الآن نفسه. الجسد يسبق الكلمة، والإحساس يسبق الدلالة. كل حركة هي محاولة للإمساك بالشيء قبل أن يتحوّل إلى مفهوم. هنا تتأسّس العلاقة مع العالم لا بوصفه موضوعًا خارجيًا، بل بوصفه تجربة معاشة، تماسًا مباشرًا مع الخوف، مع الفراغ، مع ثقل الأشياء وهي تضغط على الوعي. لا نرى الكرسي باعتباره كرسيًا، بل بوصفه حضورًا ضاغطًا، ولا نسمع الصوت باعتباره خطابًا، بل باعتباره أثرًا للتماهي والانكسار. إنها فينومينولوجيا القلق: الأشياء تُدرَك كما تُعاش، لا كما تُفسَّر، والذات لا تواجه العالم، بل تنغمر فيه، تتشظّى داخله، وتعيد اكتشاف نفسها في كل تماس مع الصمت، مع الضوء، مع الارتعاش الأول للصوت.
تجربة «هم» هي تفكيك لمنابع الذات، وتجريح للأسئلة الوجودية وهي تختنق داخل لغتها. مساءلة للغة حين تخون نفسها، للصوت حين يتعثّر في حنجرته، للحركة حين تبحث عن اتجاه في فراغ مكتظ، للجسد حين يتحوّل من حامل للمعنى إلى جرحه المفتوح، وللوعي حين يرى ذاته من خارج ذاته. وعي آخر يقف قبالة الذات التي هي أخرى، يتشكّل في المسافة بين ما يُقال وما يُكتم، بين ما يُرى وما يُمحى. سلخ لطبقات الوعي المقموعة، طبقة بعد طبقة، حتى الشريان العاري للسؤال. نبش في تاريخ الذات المنسية، لا بوصفه ذاكرة بريئة، بل بوصفه أرشيفًا للخذلان، للانكسارات الصغيرة، للأصوات التي لم تجد جسدًا.
يتصدّع جدار الذاكرة، لا انهيارًا كاملًا، بل تشقّقًا يسمح للضوء أن يتسرّب ببطء، مؤلمًا وضروريًا في آن. باب يفتح ويغلق… لا من فتحه، ولا من أغلقه. تبادل للعبة الحياة بلا لاعبين ثابتين، حيث يصبح الفاعل مفعولًا به، ويصير السؤال جوابًا مؤجَّلًا. تجريب للحياة على جهة الشعر الفلسفي، حيث المعنى لا يُمسك بل يُلاحَق، وحيث الكلمة لا تُقال بل تُستنزف.

على منعطفٍ من الفكر، من الجنون المفكّر والفكر المجنون، يولد المشهد بوصفه ارتعاشة عقل لا منصة تمثيل. رقص على أجِنّة الورق المهدور، على أجِنّة الكلمات المقموعة قبل أن ترى النور. الحروف المبهمة المتشابكة لا تُرتّب خطابًا، بل تُقيم فوضى دلالية، تتصارع فيها الضمائر المهزومة: أنا تتفكك، أنت تتشظّى، هو/هم يتسرّب كظلّ بلا ملامح. تعريف للذات من جلودها الخانقة، لا من صورتها المرآتية. الذات هنا لا تُعرَّف بما هي عليه، بل بما تخلع عنه، بما تتخلّى عنه، بما تنجو منه وهي تنزف.
السينوغرافيا في «هم» لا تُبنى باعتبارها فضاءً خارجيًا، بل تُنسَج من الداخل، من تلك المنطقة الرمادية بين الوعي الحميمي بالذات والوعي المرتبك بالعالم. الركح لا يحتضن الأجساد، بل يكشف هشاشتها، يضعها في تماس مباشر مع فراغٍ مشحون، مع أشياء لا تؤثّث المشهد بقدر ما تضغط على الوعي. كل عنصر بصري هو علامة توتّر لا زينة، حضور لا خلفية، أثر لا ديكور.
والموسيقى لا تأتي من خارج العرض، بل من جوفه العميق، موسيقى باطنية تتساوق مع النص حتى تبدو وكأنها تنبثق من شقوق الكلمات نفسها. ليست مرافقة، بل امتداد لأنفاس اللغة حين تضيق، لنبض الجملة حين تتعثّر، لارتجاف المعنى وهو يحاول أن يتماسك.
أما الأداء، فلا يقوم على بطولة فردية، بل على تناغم انطولوجي، أربعة أجساد تتقاسم دورًا واحدًا، كأن الذات وقد انشطرت إلى احتمالاتها، إلى أصواتها المتصارعة داخل الرأس الواحد. أربعة لا بوصفهم عددًا، بل بوصفهم إيقاعًا، بوصفهم تشظّيًا محسوبًا للوعي، وتعدّدًا داخل وحدة مأزومة.

بهذا المعنى، لا تقترح «هم» أطروحة فكرية مغلقة، ولا تصطف داخل خطاب أيديولوجي مباشر، بل تتحرّك داخل أفق عدمية وجودية ناعمة، حيث لا وجود ليقين مطلق، ولا معنى نهائي، بل حركة دائمة بين السؤال والسؤال. الإنسان في هذا العمل كائن هش، معلّق بين الرغبة في الانتماء والعجز عنه، بين الحاجة إلى الآخر والخوف منه، بين الصوت والصمت.
«هم» ليست مسرحية تُشاهَد بسهولة، بل تُختَبَر. ليست عرضًا يُستهلك، بل تجربة تُستنزَف. وهي في ذلك تضع المتفرّج، مثل شخصياتها، داخل منطقة العري الأنطولوجي، حيث لا أقنعة ثابتة، ولا يقين نهائي، ولا معنى ينجو كاملًا من التشظّي
د. فوزية ضيف الله
تونس

