في ظلّ الأب:
المدينة وطن في صيغة ظل
قراءة لفيلم My Father’s Shadow
إخراج: أكينولا ديفيس جونيور (Akinola Davies Jr.) نيجيريا

لا يقدّم فيلم My Father’s Shadow، للمخرج النيجيري أكينولا ديفيس جونيور، حكاية عن الأب بقدر ما يكتب أثره. فالأب هنا ليس شخصية درامية مكتملة، ولا مركز ثقل سردي تقليدي، بل حضورٌ ظِلّيّ، يتشكّل في عين الطفل، ويتحوّل مع الزمن إلى علامة ملتبسة على الحماية والعجز، وعلى القرب والغياب في آن. إنّه فيلم نيجيري الروح والانتماء، ينفتح على اليومي والهشّ، ويصوغ من التفاصيل الصغيرة سردية إنسانية كثيفة.
الطفولة: جهاز رؤية لا مرحلة عمرية
يختار الفيلم منظور الطفل لا باعتباره زاوية بريئة أو محايدة، بل بوصفه جهازًا حسّاسًا لالتقاط تشقّقات الواقع. الطفل لا يفسّر ما يراه، بل يعيشه: نبرة صوت الأب، توتّر خطواته، صمته المديد، ونظراته التي تذهب أبعد ممّا يُقال. من هنا، تصبح الطفولة في الفيلم أداة معرفية، لا زمنًا عابرًا؛ إنّها طريقة في الرؤية، وفي الإصغاء لما يتسرّب من المعنى خارج اللغة.
الأب: من السلطة إلى الهشاشة
الأب في My Father’s Shadow ليس نموذجًا للسلطة الأبوية الصلبة، بل صورة متآكلة لها. إنّه رجل عادي، محكوم بواقع اجتماعي واقتصادي ضاغط، حيث الفقر ليس حالة استثنائية بل أفقًا يوميًا. لذلك لا يمارس سلطته بقدر ما يتعثّر فيها. يتحوّل الأب إلى ظلّ: ظلّ يمنح الأمان حينًا، ويكشف حدود الحماية حينًا آخر. صمته ليس انسحابًا، بل تعبير عن مأزق، عن عجز اللغة أمام ثقل العيش.
نيجيريا: الفقر والفرح في مشهد واحد
لا تُقدَّم نيجيريا في الفيلم بوصفها فضاء بؤس خالص، ولا كصورة فولكلورية مزيّنة، بل كتناقض حيّ: فقرٌ بنيوي يقيم إلى جانب فرح عنيد، وألوان صاخبة تتجاور مع العوز اليومي. الملابس، الأسواق، اللافتات، وجوه الناس، كلها مشبعة بالألوان، كأنّ الحياة تُصرّ على الظهور رغم القسوة. هذا التوتر بين الفقر والفرح يمنح الفيلم طاقة بصرية وأخلاقية، ويجعل من اللون شكلًا من أشكال المقاومة الصامتة.
الرغبة في التحرّر والرغبة في السلطة: من يحكم من؟
يشتغل الفيلم، في طبقته العميقة، على صراع غير معلن بين رغبتين متلازمتين: الرغبة في التحرّر، والرغبة في السلطة. الأب، بوصفه ممثلًا لسلطة عائلية واجتماعية، يبدو هو نفسه خاضعًا لسلطات أعلى: سلطة الفقر، وسلطة الدولة، وسلطة التاريخ غير المكتوب. في المقابل، يحمل الطفل رغبة غريزية في الانفلات من هذا الثقل، لا عبر التمرّد الصريح، بل عبر الحلم، والخيال، والمراقبة الصامتة. هنا يطرح الفيلم سؤاله الجوهري: من يحكم من؟ هل يحكم الأب الابن فعلًا، أم تحكم الشروط الاجتماعية الأب نفسه؟ وهل التحرّر ممكن خارج إعادة إنتاج أشكال جديدة من السلطة؟ بهذا المعنى، لا يقترح الفيلم إجابة جاهزة، بل يكشف عن دائرة مغلقة تتناسل فيها السلطة، حتى في أكثر العلاقات حميمية.
المدينة: وطنٌ في صيغة ظل
تظهر المدينة النيجيرية كفضاء خانق، لا كديكور محايد. الشوارع المكتظّة، وسائل النقل، الانتظار الطويل، الضجيج المتقطّع… كلها عناصر تشكّل نسيجًا بصريًا يُوازي ثِقل الأب نفسه. المدينة هنا ليست مكانًا فقط، بل تجربة وجودية: وطن يضغط على أفراده، كما يضغط الأب على ذاته. هكذا يتداخل ظلّ الأب مع ظلّ المدينة، ويتحوّل العائلي إلى استعارة اجتماعية أوسع.
جمالية الاقتصاد وكثافة الصمت
يشتغل أكينولا ديفيس جونيور على اقتصاد بصري لافت، حيث تقلّ البلاغة لصالح الإيحاء. الكاميرا قريبة من الوجوه، من التفاصيل الصغيرة، من لحظات التردّد والانكسار الصامت. الإضاءة الطبيعية تسمح للألوان بأن تتنفس، لا بوصفها زينة، بل كجزء من النسيج الواقعي للحياة. أمّا الصمت، فهو عنصر بنائي أساسي، يقول ما تعجز الشخصيات عن قوله، ويترك للمشاهد فسحة للتأمّل لا للاستهلاك.
الذاكرة: بناء لا استعادة
لا يتعامل الفيلم مع الذاكرة بوصفها استرجاعًا حنينياً للماضي، بل باعتبارها عملية بناء مستمر. فـ«ظلّ الأب» ليس صورة مطابقة لما كان عليه الأب في الواقع، بل ما بقي منه في الوعي: أثر مشروخ، غير مكتمل، لكنه مؤسِّس للذات. الذاكرة هنا فعل أخلاقي وجمالي في آن، تُعيد ترتيب التجربة، وتمنحها معنى يتجاوز اللحظة.
My Father’s Shadow فيلم عن الأبوة من دون تمجيد، وعن الطفولة من دون براءة زائفة، وعن نيجيريا بوصفها بلد التناقضات الحيّة: فقرٌ قاسٍ، وفرح مقاوم، وألوان تكتب الحياة في قلب العوز. إنّه عمل سينمائي يتساءل بعمق: من يحكم من؟ الفرد أم السلطة، الرغبة أم الشرط، الأب أم الظلّ الذي يسبقه؟ وفي هذا السؤال المفتوح تكمن قوّته الجمالية والفكرية.
فوزية ضيف الله
تونس

