No Result
View All Result
  • fr Français
  • ar العربية
المسائل والمفاهيم المستقبلية

MEDIA – WEB

Des questions et concepts d’avenir

  • الرئيسية
  • عن الجمعية
    • جمعية المسائل والمفاهيم المستقبلية
    • مجلة صوت المستقبل
    • موقع صوت المستقبل
    • الأرشيف
    • شركاؤنا
  • افتتاحية
  • مستجدات
  • رأي حر
  • تاريخ
  • جمعيات
  • الرئيسية
  • عن الجمعية
    • جمعية المسائل والمفاهيم المستقبلية
    • مجلة صوت المستقبل
    • موقع صوت المستقبل
    • الأرشيف
    • شركاؤنا
  • افتتاحية
  • مستجدات
  • رأي حر
  • تاريخ
  • جمعيات
No Result
View All Result
المسائل والمفاهيم المستقبلية
No Result
View All Result
الرئيسية رأي حر

تأثير الموسيقى المغاربية على الإبداع الموسيقي الأوروبي في القرن التاسع عشر: فرانسيسكو سلفادور-دانييل وسيطاً ثقافياً بقلم د. إلياس البلاقي

منصور مهني نشر من طرف منصور مهني
16 ديسمبر 2025
0
325
مشاركة
2.5k
مشاهدة
انشر على الفيسبوكغرد على تويتر انشر على لينكد إن

تأثير الموسيقى المغاربية على الإبداع الموسيقي الأوروبي في القرن التاسع عشر: فرانسيسكو سلفادور-دانييل وسيطاً ثقافياً

إلياس البلاقي

يتناول هذا المقال دور الموسيقى المغاربية، وخاصة التونسية، في تشكيل الإبداع الموسيقي الأوروبي خلال القرن التاسع عشر من خلال أعمال المؤلف والعالم الإثنوموسيقولوجي فرانسيسكو سلفادور-دانييل (1831-1871). خلال إقامته الممتدة في شمال إفريقيا (1853-1865)، وثق سلفادور-دانييل أكثر من أربعمائة عمل موسيقي من تونس والجزائر والمغرب، مع اهتمام خاص بالموسيقى التونسية، لا سيما “المالوف” وطبع “الأصبعين”. لم تقتصر مساهمة الموسيقى المغاربية على إلهام مؤلفات سلفادور-دانييل الخاصة، بل أدت إلى تطوير تقنيات كتابة موسيقية مبتكرة، حيث حوّل البيانو إلى آلة إيقاعية لمحاكاة الحلقات الإيقاعية المغاربية. من خلال تحليل “اللحن الموريسكي لتونس” (1860)، “زهرة” و”يمينة”، نبرز كيف أثرت الخصائص المقامية والإيقاعية للموسيقى التونسية على الكتابة البيانية الأوروبية. امتد هذا التأثير، عبر أعمال سلفادور-دانييل، إلى مؤلفين أوروبيين كبار مثل جورج بيزيه في “كارمن”، كاميل سان-سانس، وليو دليب، مما يؤكد الدور المحوري للموسيقى المغاربية كمصدر إلهام وتجديد للموسيقى الأوروبية في القرن التاسع عشر.

الكلمات المفاتيح : فرانسيسكو سلفادور-دانييل، الموسيقى المغاربية، الموسيقى التونسية، المالوف، طبع الأصبعين، التبادل الثقافي، القرن التاسع عشر، علم موسيقى الشعوب، جورج بيزيه، التأثير الموسيقي.

خلال القرن التاسع عشر، مارس الشرق سحراً عميقاً على مؤلفي الموسيقى والمفكرين الأوروبيين. شهدت هذه الفترة، التي تميزت بالبعثات الاستعمارية ورحلات الاستكشاف، اهتماماً متزايداً بالثقافات الموسيقية غير الأوروبية. من بين الشخصيات الرمزية لهذه الحركة الاستشراقية، يحتل فرانسيسكو سلفادور-دانيال (1871-1831) مكانة فريدة. يمثل هذا المؤلف الموسيقي و المختص في علم موسيقى الشعوب الفرنسي من أصل إسباني أحد الشخصيات التي تستحق الدراسة في مجال التبادلات الثقافية بين أوروبا والمغرب العربي في القرن التاسع عشر وتأثير الموسيقى المغاربية على الموسيقى الأوروبية.

تأثر سلفادور-دانييل بعمق بأعمال المؤلف الموسيقي الفرنسي فيليسيان دافيد، الذي قام برحلات متعددة إلى الشرق، لا سيما إلى القسطنطينية ومصر[1]. اهتم سلفادور-دانييل بشكل خاص بالموسيقى العربية، وتحديداً المغاربية. تمثل رحلته الأولى إلى المغرب العربي عام 1853 بداية انغماس ثقافي استمر لأكثر من عقد[2]. من 1853 إلى 1863، عاش سلفادور-دانييل في الجزائر، واستمر في رحلاته في المنطقة حتى عام [3]1865. أتاح له هذا الوجود الممتد في شمال إفريقيا تطوير معرفة حميمة ومتعمقة بالتقاليد الموسيقية المحلية، وهي مسيرة نادرة في ذلك العصر حيث كان معظم المؤلفين الأوروبيين يقتنعون بإقامات استشراقية قصيرة.

خلال سنواته في شمال إفريقيا، أنجز سلفادور-دانييل عملاً كبيراً في مجال علم موسيقى الشعوب، مهتماً بالموسيقى المحلية في الجزائر وتونس[4]. قام بتدوين أغانٍ وموسيقى محلية، عزف هذه الموسيقى مع موسيقيين محليين و ألف أعماله الخاصة المستوحاة من هذه التقاليد معتمداً على الإيقاعات و الطبوع الموسيقية التونسية والمغاربية. وجد سلفادور-دانييل سحراً خاصاً في الموسيقى الشعبية و “المالوف”، مما دفعه لتمثيل الوضع الثقافي لتونس بالنسبة للعالم العربي بوضع إيطاليا بالنسبة لأوروبا، خاصة من الناحية الموسيقي[5]ة.

السؤال المركزي الذي يطرح نفسه هو: كيف نجح سلفادور-دانييل في نقل الخصائص الموسيقية المغاربية – الطبوع، والإيقاعات، وتقنيات الأداء – إلى النظام الموسيقي الأوروبي، مع الحفاظ على أصالة وخصوصيات هذه الموسيقى؟ تثير هذه الإشكالية تحديات منهجية وجمالية في آن واحد. من جهة، تستدعي قراءة للبحوث المنجزة في مجال علم موسيقى الشعوب في القرن التاسع عشر والتحديات المتعلقة بتدوين الموسيقى ذات التقاليد الشفاهية. ومن جهة أخرى، تسلط الضوء على التقنيات التي استعملها سلفادور-دانييل لتكييف الكتابة العمودية الأوروبية وآلة البيانو مع الطبوع و التراكيب الإيقاعية المغاربية خصوصا التونسية.

يتطرق هذا المقال إلى أربعة محاور. أولاً، نستعرض السيرة الذاتية لسلفادور-دانييل وسياق رحلاته إلى شمال إفريقيا، مسلطين الضوء على تأثير فيليسيان دافيد على مسيرته الفنية. ثانياً، سنحلل منهجيته في علم موسيقى الشعوب، خاصة من خلال منشوراته الرئيسية وجمعه لأكثر من أربعمائة عمل من المغرب العربي و الحوض الجنوبي للبحر الأبيض المتوسط. ثالثاً، و هو صميم هذه الدراسة، سندرس المؤلفات الموسيقية لسلفادور-دانييل، معتمدين على التحليل التفصيلي لجملة من أعماله: “اللحن الموريسكي لتونس” (1860)، “زهرة” و”يمينة”. سنبرز من خلال التحليل التفصيلي لهاته المؤلفات كيف إبتكر المؤلف تقنيات كتابة وعزف ، محولاً البيانو إلى آلة إيقاع لإعادة إنتاج الحلقات الإيقاعية المميزة للموسيقى المغاربية. أخيراً، سندرس تأثير سلفادور-دانييل على مؤلفين أوروبيين آخرين، لا سيما جورج بيزيه أوبرا “كارمن” الشهير.

تندرج هذه الدراسة ضمن قراءة أوسع حول التبادلات الثقافية بين أوروبا والعالم العربي في القرن التاسع عشر، وحول دور مؤلفي الموسيقى وعلماء موسيقى الشعوب كوسطاء ثقافيين. تشهد أعمال سلفادور-دانييل على عصر حيث يمكن للفضول الفكري والفني أن يتجاوز الانقسامات الاستعمارية، وإن كانت تدخل حتماً في سياق الوجود الفرنسي بشمال إفريقيا.

  1. I. فرانسيسكو سلفادور-دانييل: المسار السيرذاتي وسياق الرحلة

وُلد فرانسيسكو سلفادور-دانييل في 17 فبراير 1831 في بورج أو باريس. كانت حياته، وإن قصيرة نسبياً – حيث توفي في 23 مايو 1871 في باريس، معدماً رمياً بالرصاص –، محفوفة بشغف جارف للموسيقى الشرقية و إسهام مهم في علم موسيقى الشعوب الناشئ حينها. يمثل فرانسيسكو سلفادور-دانييل بشكل مثالي شخصية المؤلف الموسيقي-المسافر والمستكشف في القرن التاسع عشر، الذي يتغذى إبداعه الفني مباشرة من خلال العمل الميداني والاحتكاك ثقافيا مع “الآخر” الثقافي[6].

  1. تأثير فيليسيان دافيد

قبل رحلته الأولى إلى المغرب العربي ، تأثر سلفادور-دانييل بعمق بأعمال فيليسيان دافيد (1876-1810)، المؤلف الموسيقي الفرنسي الذي قام برحلات متعددة إلى الشرق، لا سيما إلى القسطنطينية ومصر. أثرت مؤلفات دافيد، المشبعة بالألوان الشرقية، تأثيراً حاسماً على الشاب سلفادور-دانييل. أوجدت هاته الأعمال رغبة ملحة  لدى سلفادور-دانييل لاستكشاف الموسيقى العربية، وتحديداً المغاربية[7]. نتيجة هذا التأثر بأعمال فيليسيان دافيد , وجه سلفادور-دانييل مسيرته المهنية بأكملها للبحث في الموسيقى العربية و الذهاب لأبعد من الاستشراق الصالوني مؤسساً  في مسيرة حقيقية في علم موسيقى الشعوب.

  1. السنوات المغاربية (1853-1865) 

في 1853، قام سلفادور-دانييل برحلته الأولى إلى المغرب العربي. تحولت هذه الرحلة الاستكشافية إلى إقامة استمرت أكثر من عقد من الزمن : من 1853 إلى 1863، عاش في الجزائر، منغمساً في الحياة الموسيقية المحلية. يشكل هذا العقد الجزائري قلب نشاطه في علم موسيقى الشعوب. على عكس العديد من المسافرين الأوروبيين في ذلك العصر الذين كانوا يكتفون بملاحظات عامة، انخرط سلفادور-دانييل في الأوساط الموسيقية المحلية. قام بتدوين أغانٍ وموسيقى محلية، عزف هذه الموسيقى مع موسيقيين محليين بل وألف أعماله الخاصة المستوحاة من هذه التقاليد.

بعد عودته إلى فرنسا عام 1863، استمر سلفادور-دانييل في السفر بالمنطقة حتى 1865، مما يشهد على تعلق عميق ودائم بالثقافات الموسيقية والاجتماعية المغاربية. أتاحت له هذه الرحلات المتكررة توسيع أبحاثه خارج الجزائر، لا سيما نحو تونس، و خصوصاً موسيقى “المالوف”[8].

  1. قراءة مختلفة للمفهوم الاستشراقي 

ما يميز سلفادور-دانييل عن العديد من المستشرقين في عصره، هو قدرته على إقامة أوجه تشابه ثقافية دون أو عمودية العرق الأبيض و باقي الشعوب خصوصا في فترة تميزت بالحركة الاستعمارية[9]. كان يمثل الموقع الثقافي والاجتماعي لتونس بالنسبة للشرق بموقع إيطاليا بالنسبة لأوروبا، خاصة من الناحية الموسيقية. يكشف هذا التشبيه عن مقاربة تعتبر تونس مركزاً للرقي الثقافي داخل العالم العربي، على غرار إيطاليا في السياق الأوروبي. وجد سلفادور-دانييل سحراً خاصاً في الموسيقى الشعبية و “المالوف”، التي كان يعتبرها التعبير الأكمل عن التقاليد الموسيقية المغاربية.

كانت فترة إقامته وسفره في شمال إفريقيا تأسيسية لسلفادور-دانييل. أتاحت له ليس فقط تأليف عدة كبير من الأعمال موسيقية علمية، بل أيضاً تطوير حساسية وفهم لمنطق الموسيقى العربية يتجاوز بكثير مجرد الاهتمام الاستشراقي. مكن هذا الاهتمام سلفادور-دانييل من الإسهام في علم موسيقى الشعوب وتطوير الكتابة الموسيقية الأوروبية خصوصا على آلة البيانو، و التي سندرسها في الأقسام التالية.

III. المنهجية “الإثنو موسيقولوجية” وأعمال التوثيق

يتميز العمل الإثنو موسيقولوجي لفرانسيسكو سلفادور-دانييل باتساعه و جديته وطابعه السابق لعصره. استفاد سلفادور-دانييل من إقامته في بلدان المغرب العربي لتعميق معارفه في الموسيقى الشرقية وتوثيق مادة تأليفية وعلمية واسعة. تشهد منهجيته، وإن كانت ضمن السياق الاستعماري للقرن التاسع عشر، على احترام وفضول للتقاليد الموسيقية المحلية.

  1. توثيق شامل

يشد انتباهنا عدد الأعمال التي وثقها و دونها  سلفادور-دانييل. جمع أكثر من أربعمائة عمل من تونس والجزائر والمغرب وكذلك من بلدان أخرى للبحر الأبيض المتوسط، مثل إسبانيا ومالطا ومصر. يشهد هذا الجمع المنهجي على مسيرة علمية تتجاوز بكثير مجرد اهتمام هاوٍ[10]. لم يقتصر سلفادور-دانييل على تدوين الألحان التي تعجبه؛ بل سعى لتوثيق تنوع الذاكرة الموسيقية للمنطقة، شاملاً الموسيقى “الحضرية” (كالمالوف التونسي والنوبات الجزائرية) والأغاني الشعبية (خاصة الأغاني المتداولة في منطقة القبائل من الغرب الجزائري).

كانت منهجية الجمع هذه مبتكرة خاصة في ذلك العصر. على عكس العديد من المستشرقين الذين كانوا يكتفون بأوصاف أدبية أو تدوينات تقريبية، حرص سلفادور-دانييل على تدوين الأعمال الموسيقية بدقة[11]. تطلب هذا العمل مهارات تقنية في التدوين الموسيقي و فهماً دقيقاً للنظم المقامية والإيقاعية العربية، التي اختلفت بشكل كبير عن التقاليد الموسيقية الأوروبية.

  1. المنشورات الرئيسية

بفضل كل هذه الأعمال الموثقة، أنجز المؤلف الفرنسي تدوينات، أساساً للغناء مصاحباً بآلة البيانو، بالإضافة إلى مقالات وأعمال موسيقية. تشكل منشوراته وثائق من الدرجة الأولى لدراسة الموسيقى المغاربية في القرن التاسع عشر.

2.1. الموسيقى العربية، علاقاتها بالموسيقى اليونانية والغناء “الغريغوري” (1863)

ظهر هذا العمل أولاً كدراسة للموسيقى العربية نشرت في “المجلة الأفريقية” بين 1862 و1863 (رقم 31 و38 و40)[12]، مصحوبة بمقال عن أصل وتحولات بعض الآلات. نشر جزئيا في مدريد عام 1858، ثم نشر كاملا في 1863 . يكشف هذا المنشور عن المقاربة المقارناتية لسلفادور-دانييل، الذي سعى لإقامة روابط بين التقاليد الموسيقية المتوسطية المختلفة بمقارنته الموسيقى العربية بالموسيقى اليونانية القديمة والغناء الغريغوري، تندرج هاته الدراسة في قراءة تعترف بالتأثيرات المتبادلة والتراث المشترك بين الثقافات الموسيقية لحوض البحر الأبيض المتوسط.

2.2. الموسيقى وآلات الموسيقى عند العرب (1914)

هذا العمل، بعنوان فرعي “مع مقدمة حول كيفية تقبل الموسيقى العربية”، هو نسخة لهنري جورج فارمر (عالم موسيقى بريطاني ولد عام 1882 وتوفي عام 1965، درس الموسيقى العربية بشكل موسع و مدى تأثيرها على الموسيقى الأوروبية). هذا العمل هو إعادة نشر للمنشور السابق لسلفادور-دانييل، نشر لأول مرة عام 1879 – أي بعد ثماني سنوات من وفاة مؤلفه – من قبل صديقه أدولف جوردان في الجزائر (رسام فرنسي ولد في 4 أغسطس 1825 في نيم، المدينة التي توفي فيها في 22 فبراير 1889).كان من المفترض أن يرافق هذه النسخة نص بعنوان “ملاحظة حول الموسيقى القبائلية”. هذا المقال مصحوب بخمسة عشر أغنية قبائلية دونها سلفادور-دانييل. تظهر هذه الملاحظة التكميلية فقط في طبعة هنري جورج فارمر، مصحوبة بملاحظات المحرر وسيرة ذاتية لسلفادور-دانييل كتبها عالم الموسيقى البريطاني. يشهد إدراج هذه الأغاني القبائلية اهتمام سلفادور-دانييل بتنوع التقاليد الموسيقية المغاربية لا فقط الموسيقى الأندلسية المغاربية[13].

2.3. مقاربة نظرية مبتكرة

يتجاوز سلفادور-دانييل مجرد التوثيق، فقد طور فكراً نظرياً حول الموسيقى العربية كان سابقا على عصره. سعى خصوصاً لفهم مبادئ التنظيم الإيقاعي والمقامي لهذه الموسيقى، متجنباً الاقتباسات العامة التي كانت غالباً تميز الكتابات الاستشراقية. كما سنرى في القسم التالي، غذى هذا الفهم النظري قدرته على الكتابة الموسيقية ، خاصة في تعامله مع الإيقاع التآلفات الهارمونية . تتميز المنهجية الإثنو موسيقولوجية لسلفادور-دانييل بثلاثة عناصر أساسية: شمولية التوثيق، دقة التدوين، ومقاربة مقارناتية تعترف بغنى وتعقيد التقاليد الموسيقية العربية وخصوصا أفقية العلاقة بينها وبين الموسيقى الأوروبية. لم تؤثر هذه الأعمال فقط على إبداعه الموسيقي الخاص، بل وفرت أيضاً قاعدة وثائقية قيّمة للأجيال التي تلته من علماء الموسيقى والمؤلفين.

  1. IV. تحليل التقنيات الآلاتية والتلحينية 
  1. الابتكارات التأليفية لسلفادور-دانييل

يتكون العمل الإبداعي لسلفادور-دانييل أساساً من أغانٍ وألحان مبنية على المقامات والإيقاعات العربية، خاصة من الجزائر وتونس. كان المؤلف الفرنسي يبحث غالباً عن كتابة هارمونية لا تشوه خصائص هذه المقامات[14]. قادته هذه الاهتمامات الجمالية لتطوير تقنيات آلاتية و تلحينية، خاصة عند إستعمال البيانو و الربط بين اللحن والمرافقة الإيقاعية.

  1. المقاربة المقامية: مثال “اللحن الموريسكي لتونس” 

من أهم الأمثلة في مقاربة سلفادور-دانييل المقامية هو عمله بعنوان “اللحن الموريسكي لتونس” والذي ألفه عام 1860 للصوت مصحوبا بالبيانو. كُتب هذا اللحن في الطبع التونسي “الأصبعين”. يعزف هذا الطبع عادةً مبتدئاً بالنوتة “ري”، متبوعاً بثلاثيات تختلف تغيراتها أثناء النزول، وتسمى هذه الثلاثيات “العقود”[15]. لإبراز هذا الجانب المقامي في عمل سلفادور-دانييل وشرح استخدام هذا المقام، نقلنا جزء الغناء، (والذي كتب أصلاً في “مي”)، بدرجة واحدة للأسفل. يسمح هذا النقل بتصور أفضل للهيكل المقامي الأصلي وفهم كيف كيّف سلفادور-دانييل هذا النظام “المقامي” التونسي للتدوين الغربي.

                      طبع الاصبعين و إنقلاب الاصبعين, تدوين محمود قطاط[16]

اللحن الموريسكي لتونس

يكشف تحليل هذه المقاطع عن “وفاء” سلفادور-دانييل لهيكل طبع “الأصبعين”. يعرض بوضوح الحركة النزولية المميزة للمقام، مع ظهور “العقود” وفق قواعد الموسيقى التونسية. تشهد هذه الدقة في التفاصيل المقامية على عمق معرفة سلفادور-دانييل وحرصه على الحفاظ على أصالة الموسيقى التي كان يدونها.

  1. الإيقاع الثابت: البيانو كآلة إيقاع

تكمن أهم سلفادور-دانييل بروزاً يكمن في تعامله مع البيانو. في “اللحن الموريسكي لتونس”، استخدم سلفادور-دانييل إيقاعاً ثابتاً، مكوناً بذلك حلقة إيقاعية مستقرة طوال القطعة، مستوحاة من تقنيات عازفي الإيقاع المغاربيين[17]. تنبع هذه المقاربة من فهم نظري عميق للموسيقى العربية.

كان سلفادور-دانييل يؤكد أن الموسيقى العربية قد تبدو أحادية اللحن للوهلة الأولى، لكن التناغم والمرافقة يكمنان في الحلقة الإيقاعية الأساسية في الأعمال الموسيقية العربية، باستثناء “الاستخبار”[18]. هذه العملية التناغمية الإيقاعية بالتوازي مع الحركات اللحنية، تتميز ببساطة مدهشة رغم الزخارف والتراكيب الإيقاعية المعقدة غالباً. عبّر سلفادور-دانييل عن هذا الرأي في العدد 32 من “المجلة الأفريقية” (1862): “هذا أحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام وصعوبة في الإمساك به في هذه الموسيقى، وهو ما جعل العديد من الكتاب يقولون إن العرب لا يملكون حس الإيقاع… أكرر، التناغم بالنسبة للعرب لا يوجد إلا في المرافقة الإيقاعية لآلات الإيقاع.”[19]

اعتماداً على هذه النظرية، حوّل سلفادور-دانييل البيانو في “اللحن الموريسكي لتونس” إلى آلة إيقاع. كتب إيقاعاً ثابتاً متناغماً/إيقاعياً لليد اليسرى في مفتاح “فا”، محاكياً الصوت المنخفض لآلات الإيقاع العربية. تعزف اليد اليمنى الأزمنة الضعيفة لهذا الإيقاع الثابت بأوكتاف أعلى، محاكية الصوت المتوسط لنفس الآلات. كان هذا النمط من العزف البياني مبتكراً، لأن تراكيب المرافقة على البيانو في القرن التاسع عشر كانت مختلفة تماماً. 

  1. مقارنة مع الممارسات البيانية الأوروبية

لفهم أفضل لأصالة مقاربة سلفادور-دانييل، من المفيد مقارنتها بالممارسات البيانية السائدة في عصره. في حالة بيتهوفن، مثلاً، غالباً ما كانت هناك “باصات ألبرتي” متأثران بموزارت. في حالة فريديريك شوبان، غالباً ما كانت مرافقة الألحان التي تعزفها اليد اليمنى تأتي على شكل أرپيجات أو تالفات. توضح هذه الأمثلة تقاليد الكتابة البيانية الأوروبية في القرن التاسع عشر: باصات ألبرتي، أرپيجات سلسة، تالفات مطلقة أو مكسورة. صُممت المرافقة لدعم اللحن تناغمياً، مكونة نسيجاً عمودياً حيث توفر اليد اليسرى الأسس التناغمية بينما تعزف اليد اليمنى الخط اللحني. تختلف مقاربة سلفادور-دانييل جذرياً عن مقاربات الملحنين الأوروبيين في القرن التاسع عشر حيث يؤسس استمرارية إيقاعية أفقية بدل خلق نسيج تناغمي عمودي كما تذكرنا التوجيهات الإيقاعية المحددة من قبل سلفادور-دانييل بإيقاعات “الأقصاق” و”البرول”[20]. تمثل هذه التحولات قطيعة جمالية حقيقية.  حيث لا يسعى سلفادور-دانييل إلى “تغريب” الموسيقى العربية بتطبيق التقاليد التناغمية الأوروبية عليها؛ بل على العكس، يكيّف الآلة الأوروبية لمنطق الموسيقى العربية. تشهد هذه الانعكاسية المنهجية على احترام عميق لسلامة التقاليد الموسيقية التي كان يدرسها.

                                          “الأقصاق” و”البرول”

الإيقاع في “اللحن الموريسكي لتونس”[21] 

شوبان، نوكتورن 1 

  1. التدوينات: “زهرة” و”يمينة”

تكونت الأعمال الموسيقية الأخرى لسلفادور-دانييل، كما ذكر، من تدوين أغانٍ تقليدية لجعلها قابلة للعزف على آلات موسيقية أوروبية، خاصة البيانو. تدويناته من نفس طبيعة مؤلفاته الخاصة: أغنية بكلمات فرنسية، محاكية القصيدة، بينما يوفر البيانو المرافقة التناغمية-الإيقاعية الموجودة في الأعمال العربية[22]. تظهر ديناميكية العمل هذه بوضوح في عمله بعنوان “زهرة”، وهي أغنية قبائلية قديمة دُونت للبيانو والصوت البشري، وكذلك في “اللحن الموريسكي للجزائر” بعنوان “يمينة” (من طبع الحسين). تقدم النوتتان إيقاعاً ثابتاً طوال المقطوعة، مؤكدة على النبرات الموجودة في الحلقة الإيقاعية، بشكل مشابه لـ”اللحن الموريسكي لتونس”. يؤكد هذا النمط من الكتابة نية سلفادور-دانييل إنتاج الموسيقى التي درسها خلال سنواته في شمال إفريقيا بشكلها الأصلي.

ساهمت أعمال سلفادور-دانييل هكذا في خلق سماعة جديدة، مع “تغيير طبيعة” دور البيانو بتوجيهه لمحاكاة أصوات و طريقة عزف آلات الإيقاع العربية. كانت هذه المقاربة “جريئة” في ذلك العصر ومهدت لتوسيع إمكانيات البيانو من ناحية النبرة والتعبير و الإيقاع.

يمكن تركيز “الابتكارات التأليفية” لسلفادور-دانييل في ثلاثة محاور رئيسية:

  1. احترام التراكيب المقامية العربية: لا يقتصر سلفادور-دانييل على استعارة “ألوان” شرقية؛ بل يعيد إنتاج المقامات بدقة مع خصائصها (حركات صعود ونزول، عقود، إلخ.).
  2. تحويل البيانو إلى آلة إيقاع: بخلق إيقاعات ثابتة مستمرة والتأكيد على “النبضات” أكثر من التناغمات، يعيد سلفادور-دانييل تعريف وظيفة الآلة.
  3. كتابة تحافظ على الأصالة: على عكس العديد من المؤلفين الاستشراقيين الذين كانوا يكيفون الموسيقى غير الأوروبية للأذواق الأوروبية، سعى سلفادور-دانييل للحفاظ على سلامة التقاليد التي كان يدونها.

أثرت هذه الأعمال في الموروث الموسيقي الاوروبي خلال القرن التاسع عشر و فتحت أيضاً طرقاً جديدة “للتمثيل” الموسيقي للثقافات الأخرى، مؤثرة على أجيال من الموسيقيين.

  1. VI. تراث سلفادور-دانييل

أثرت أعمال فرانسيسكو سلفادور-دانييل في شمال إفريقيا تأثيراً كبيراً، ليس فقط على إبداعه الموسيقي الخاص، بل أيضاً على مؤلفين آخرين في القرن التاسع عشر[23]. فتحت مقاربته المبتكرة لتدوين وتكييف الموسيقى المغاربية آفاقاً تأليفية جديدة وساهمت في إثراء اللغة الموسيقية الأوروبية. تجلى هذا التأثير بشكل مباشر عند بعض المؤلفين و ساهم في التطور العام للموسيقى الاستشراقية الأوروبية.

  1. 1. جورج بيزيه و”كارمن”

من أهم الأمثلة لتأثير سلفادور-دانييل هو “الحب طائر بري”، الأغنية الشهيرة من أوبرا “كارمن” لجورج بيزيه. ألف بيزيه هذه الأغنية عام 1875، أي بعد أربع سنوات من وفاة سلفادور-دانييل. من المهم التنويه إلى أن بيزيه، مثل سلفادور-دانييل، كان طالباً في معهد باريس للموسيقى من 1848 إلى 1855. يشير هذا القرب الزمني والمكاني إلى أنهما كانا يتحركان في نفس الأوساط الموسيقية الباريسية وعلى الأرجح كانا على علم بأعمال بعضهما[24]. لذا، كانت أعمال سلفادور-دانييل، خاصة منشوراته في “المجلة الأفريقية” بين 1862 و1863، متاحة لبيزيه حين كان يعمل على تأليف “كارمن”. طوال المقطوعة، يستخدم بيزيه إيقاعاً ثابتاً يتكرر باستمرار، وكذلك نوتة “باص” ثابتة (ري). تذكر هذه الكتابة الموسيقية بأعمال سلفادور-دانييل، الذي استخدم أيضاً هذا النموذج من الكتابة في جميع أعماله. هذه الحلقة التناغمية/الإيقاعية رمزية لهذه الأغنية وتظهر تأثير سلفادور-دانييل على بيزيه.

                                       سلفادور-دانييل, “زهرة”

بيزيه, الحب طائر بري, أوبرا “كارمن” 

يكشف تحليل هذه الأشكال عن عدة أوجه تشابه صارخة مع كتابة سلفادور-دانييل:

  1. الإيقاع الثابت المستمر: كما في “اللحن الموريسكي لتونس”، تحافظ اليد اليسرى للبيانو على حلقة إيقاعية متكررة طوال الأغنية.
  2. النوتة الثابتة: استخدام نوتة باص ثابتة (ري) يخلق توتراً تناغمياً مشابهاً لذلك الملحوظ في أعمال سلفادور-دانييل، حيث يكون التناغم تابعاً للإيقاع.
  3. الطابع الإيقاعي للبيانو: لا تسعى المرافقة لخلق تقدم تناغمي معقد، بل لإقامة نبضة إيقاعية مستقرة، محولة البيانو إلى آلة إيقاع.
  4. التقسيم الإيقاعي: تذكر النبرات المحددة بإيقاعات “الأقصاق” و”البرول” في أعمال سلفادور-دانييل.

رغم أن بيزيه استعار اللحن من إيرادي (ملحن إسباني من منطقة الباسك، ولد عام 1809 وتوفي عام 1865)[25]، إلا أن المرافقة والمعالجة الإيقاعية تحملان بوضوح بصمة المقاربة التي طورها سلفادور-دانييل. من المحتمل أن بيزيه، سعياً لخلق لون “إسباني” و”شرقي” لأوبراه الحادثة في إشبيلية، استلهم تقنيات سلفادور-دانييل لمصادقة تمثيله الموسيقي للضفة الجنوبية من المتوسط.

  1. تأثير سلفادور-دانييل على مؤلفين آخرين

يتجاوز تأثير سلفادور-دانييل بيزيه ليصل إلى عدة مؤلفين مهمين في الموسيقى الفرنسية والأوروبية. من بين المستلهمين من أعمال سلفادور-دانييل، يمكن ذكر كاميل سان-سانس، ليو دليب، ونيكولاي ريمسكي-كورساكوف[26].

– كاميل سان-سانس، الذي سافر هو نفسه إلى الجزائر وألف أعمالاً استشراقية مثل “السويت الجزائرية” (1880) و”شمشون ودليلة” (1877)، على الأرجح كان على علم بأعمال سلفادور-دانييل. تقدم مقاربة سان-سانس في معالجة المقامات الشرقية والإيقاعات العربية تقارباً مع مقاربة سلفادور-دانييل، رغم أن سان-سانس طور لغته الموسيقية الخاصة.

– ليو دليب، في أوبراه “لاكمي” (1883)، دمج أيضاً عناصر استشراقية في كتابته. رغم حدوث الأحداث في الهند وليس المغرب العربي، فإن استخدام مقامات غريبة وإيقاعات غير أوروبية يشهد على تأثير أوسع لعلم الإثنوموسيقولوجيا الناشئ، الذي ساهم فيه سلفادور-دانييل بشكل مهم.

– نيكولاي ريمسكي-كورساكوف، المؤلف الروسي المفتون بالشرق، ربما تأثر أيضاً بأعمال سلفادور-دانييل، خاصة عبر الانتشار الأوروبي لمنشوراته. حافظت روسيا في القرن التاسع عشر على روابط وثيقة مع العالم الإسلامي، وكان المؤلفون الروس منتبهين بشكل خاص لتطورات الموسيقى الاستشراقية في أوروبا الغربية.

  1. إرث دائم

يتجاوز إرث فرانسيسكو سلفادور-دانييل بكثير إطار عصره. ساهمت أعماله في تأسيس أساسيات علم الإثنوموسيقولوجيا الحديث، مبينةً أن من الممكن دراسة وتدوين موسيقى غير أوروبية دون تشويهها تماماً و فتحت مقاربته المحترمة والعلمية الطريق لأجيال من الباحثين الذين طوروا في القرن العشرين طرقاً أكثر صرامة لتحليل وتوثيق موسيقى العالم. من الناحية التأليفية، أظهر سلفادور-دانييل أن من الممكن دمج عناصر موسيقية غير أوروبية في الإبداع الغربي دون الوقوع في الاستشراق السطحي بتحويله البيانو إلى آلة إيقاع واحترامه التراكيب المقامية العربية و توسيع الإمكانيات التعبيرية للآلات الأوروبية والحوار بين الثقافات في الموسيقى. أخيراً، شكلت منشورات سلفادور-دانييل مصدراً وثائقياً قيماً لعلماء الموسيقى والمؤلفين في القرن العشرين المهتمين بالموسيقى المغاربية. استطاع مؤلفون مثل بيلا بارتوك، الذي سافر هو نفسه إلى شمال إفريقيا لجمع موسيقى، الاعتماد على الأعمال الرائدة لسلفادور-دانييل لتوجيه أبحاثهم الخاصة.

الخاتمة 

يمثل فرانسيسكو سلفادور-دانييل (1831-1871) شخصية فريدة في تاريخ الموسيقى في القرن التاسع عشر. كمؤلف موسيقي وعالم إثنوموسيقولوجيا في آن واحد، يجسد نموذج الوسيط الثقافي، القادر على التنقل بين تقاليد موسيقية مختلفة مع الحفاظ على سلامتها. تشهد مسيرته، من تأثيراته الأولى بفيليسيان دافيد إلى وفاته المبكرة عام 1871، على التزام عميق وأصيل تجاه موسيقى المغرب العربي.إسهام سلفادور-دانييل في علم الإثنوموسيقولوجيا كبير. بجمعه أكثر من أربعمائة عمل من تونس والجزائر والمغرب وبلدان أخرى من البحر الأبيض المتوسط، شكّل مدونة وثائقية ذات حجم ملفت للنظر في ذلك العصر. وفرت منشوراته، لا سيما “الموسيقى العربية، علاقاتها بالموسيقى اليونانية والغناء الغريغوري” (1863) و”الموسيقى وآلات الموسيقى عند العرب” (طبعة ما بعد الوفاة 1914)، لعلماء الموسيقى والمؤلفين اللاحقين قاعدة متينة لفهم الأنظمة الموسيقية العربية. منهجيته، المبنية على الملاحظة بالمشاركة والتدوين الدقيق، سبقت ممارسات علم الإثنوموسيقولوجيا الحديث.من الناحية التأليفية، ابتكارات سلفادور-دانييل ذات أهمية مماثلة.

من خلال تحليل “اللحن الموريسكي لتونس”، “زهرة” و”يمينة”، أبرزنا ثلاث مساهمات رئيسية : أولاً، احترام التراكيب المقامية العربية. لم يكتف سلفادور-دانييل باستعارة “ألوان” شرقية بشكل سطحي؛ بل أعاد إنتاج المقامات بدقة مع خصائصها المحددة، مثل طبع “الأصبعين” بحركاته الصاعدة والنازلة و”عقوده”. تشهد هذه الأمانة على فهم عميق لمنطق الموسيقى العربية.ثانياً، تحويل البيانو إلى آلة إيقاعية. بخلق إيقاعات ثابتة مستمرة والتأكيد على النبضات بدلاً من التقدمات الهارمونية، أعاد سلفادور-دانييل تعريف وظيفة الآلة. هذه المقاربة، المختلفة جذرياً عن الممارسات البيانية الأوروبية في ذلك العصر (باصات ألبرتي عند موزارت، أربيجات عند شوبان)، نبعت من نظريته القائلة بأن “التناغم بالنسبة للعرب لا يوجد إلا في المرافقة الإيقاعية لآلات الإيقاع”. يمثل هذا التصور الأفقي للهارموني، المعاكس للتصور العمودي الأوروبي، قطيعة جمالية حقيقية.ثالثاً، كتابة تحافظ على الأصالة على عكس العديد من المؤلفين الاستشراقيين الذين كانوا يكيفون الموسيقى غير الأوروبية للأذواق الأوروبية، سعى سلفادور-دانييل لإعادة إنتاج الموسيقى التي التقى بها خلال سنواته في شمال إفريقيا بشكلها الأصلي. سبقت هذه المقاربة المحترمة الاهتمامات الأخلاقية لعلم الإثنوموسيقولوجيا في القرن العشرين.

يؤكد تأثير سلفادور-دانييل على معاصريه وخلفائه أهمية عمله. مثال جورج بيزيه وأغنيته “الحب طائر بري” من “كارمن” (1875) دال بشكل خاص. يذكّر استخدام إيقاع ثابت مستمر ونوتة باص ثابتة مباشرة بكتابة سلفادور-دانييل. امتد هذا التأثير إلى مؤلفين رئيسيين آخرين مثل كاميل سان-سانس، ليو دليب ونيكولاي ريمسكي-كورساكوف، الذين استلهموا جميعاً من أعمال سلفادور-دانييل لإثراء إبداعاتهم الاستشراقية.بعيداً عن هذه التأثيرات المباشرة، ساهم سلفادور-دانييل في تحويل التصور الأوروبي للموسيقى العربية. بإظهار تعقيدها وتطورها، حارب الأحكام المسبقة التي كانت تختزل هذه الموسيقى في مجرد استشراق. تشهد مقارنته بين الموقع الثقافي لتونس بالنسبة للشرق وموقع إيطاليا بالنسبة لأوروبا على رؤية محترمة تعترف بالتسلسلات الثقافية داخل العالم العربي، على غرار تلك الموجودة في أوروبا.

يجب مع ذلك وضع عمل سلفادور-دانييل في سياقه التاريخي. انخرط عمله في إطار الاستعمار الفرنسي في الجزائر، وكانت رحلاته ممكنة بفضل الهيمنة الاستعمارية. لا يمكن تجاهل هذا البعد، حتى وإن تميزت مقاربة سلفادور-دانييل باحترام للثقافات المحلية. تبقى مسألة علاقات القوة في إنتاج المعرفة الإثنوموسيقولوجية ذات صلة وتستحق الدراسة النقدية.مع ذلك، تبقى مساهمة سلفادور-دانييل كبيرة. كعالم إثنوموسيقولوجيا، أرسى أسس تخصص سيتطور في القرن العشرين. كمؤلف موسيقي، فتح طرقاً جديدة للتمثيل الموسيقي للثقافات الأخرى وللإثراء المتبادل للتقاليد الموسيقية. ساهمت أعماله في خلق سماعة جديدة، مع “تغيير طبيعة” دور البيانو بتوجيهه لمحاكاة أصوات وطريقة عزف آلات الإيقاع العربية.باختصار، يجسد فرانسيسكو سلفادور-دانييل لحظة خاصة من التاريخ الثقافي للقرن التاسع عشر، حيث يمكن للفضول الفكري والفني، رغم حدود السياق الاستعماري، أن يعزز تبادلات ثقافية حقيقية. يذكرنا عمله بأن الموسيقى يمكن أن تكون جسراً بين الثقافات، شريطة أن تكون هذه المقاربة موجهة بالاحترام والصرامة العلمية ورغبة أصيلة في فهم الآخر. في عالم معاصر حيث تبقى مسائل الاستيلاء الثقافي والحوار بين الثقافات ذات راهنية، يقدم مثال سلفادور-دانييل مادة للتفكير حول شروط تبادل ثقافي مثرٍ حقاً.

المراجع :

 

–          BOUZAR-KASBADJI, Nadya, Francisco Salvador-Daniel. Pèlerin des musiques méditerranéennes anciennes, Revista De Musicología, vol. 16, no. 4, 1993, pp. 1998-2016.

–          GUETTAT, Mahmoud, La musique classique du Maghreb, Paris, Sindbad, 1980, pp. 202-203.

–          KRIFF Jean, “Francisco Salvador-Daniel, l’homme qui signait Sidi Mahabul”, Humanisme, 2018/2 (N° 319), pp. 104-108.

–          SALVADOR-DANIEL, Francisco, The Music And Musical Instruments Of The Arabs, With Introduction On How To Appreciate Arab Music; Édition de Henry George Farmer, London, William Reeves, 1914, pp.1-26.

–          SLONIMSKY, Nicolas, Yradier, Sebastian. Baker’s Biographical Dictionary of Musicians, New York, Schirmer Books, Ed. 6, 1978, 1929 p.

–          TRABELSI, Mehdi, La musique populaire arabe dans l’œuvre de Béla Bartók : Analyse de l’œuvre ethnomusicologique et son impact sur l’œuvre créatrice, Paris, université de Paris IV, 2002, pp. 21-25

–        https://www.musicologie.org/Biographies/bizet_georges.html  consulté le 3 septembre 2021.

–          https://www.musicologie.org/Biographies/d/david_felicien.html consulté le 3 septembre 2021.

[1] https://www.musicologie.org/Biographies/d/david_felicien.html consulté le 3 septembre 2021.

[2] SALVADOR-DANIEL, Francisco, The Music And Musical Instruments Of The Arabs, With Introduction On How To Appreciate Arab Music; Édition de Henry George Farmer, London, William Reeves, 1914, pp.1-26.

[3] BOUZAR-KASBADJI, Nadya, Francisco Salvador-Daniel. Pèlerin des musiques méditerranéennes anciennes, Revista De Musicología, vol. 16, no. 4, 1993, pp. 1998-2016.

[4] SALVADOR-DANIEL, Francisco, op. cit.

[5] TRABELSI, Mehdi, La musique populaire arabe dans l’œuvre de Béla Bartók : Analyse de l’œuvre ethnomusicologique et son impact sur l’œuvre créatrice, Paris, université de Paris IV, 2002, pp. 21-25.

[6] KRIFF Jean, “Francisco Salvador-Daniel, l’homme qui signait Sidi Mahabul”, Humanisme, 2018/2 (N° 319), pp. 104-108.

[7] SALVADOR-DANIEL, Francisco, The Music And Musical Instruments Of The Arabs, With Introduction On How To Appreciate Arab Music; Édition de Henry George Farmer, London, William Reeves, 1914, pp.1-26.

[8] OUZAR-KASBADJI, Nadya, Francisco Salvador-Daniel. Pèlerin des musiques méditerranéennes anciennes, Revista De Musicología, vol. 16, no. 4, 1993, pp. 1998-2016.

[9] TRABELSI, Mehdi, La musique populaire arabe dans l’œuvre de Béla Bartók : Analyse de l’œuvre ethnomusicologique et son impact sur l’œuvre créatrice, Paris, université de Paris IV, 2002, pp. 21-25

[10] Ibid.

[11] SALVADOR-DANIEL, Francisco, The Music and Musical Instruments of the Arabs, With Introduction on How to Appreciate Arab Music ; Édition de Henry George Farmer, London, William Reeves, 1914, p. 9.

[12] BOUZAR-KASBADJI, Nadya, Francisco Salvador-Daniel. Pèlerin des musiques méditerranéennes anciennes, Revista De Musicología, vol. 16, no. 4, 1993, pp. 1998–2016.

[13] Ibid.

[14] TRABELSI, Mehdi, La musique populaire arabe dans l’œuvre de Béla Bartók : Analyse de l’œuvre ethnomusicologique et son impact sur l’œuvre créatrice, Paris, université de Paris IV, 2002, pp. 21-25

[15] Ibid.

[16] GUETTAT, Mahmoud, La musique classique du Maghreb, Paris, Sindbad, 1980, pp. 202-203.

[17] TRABELSI, Mehdi, La musique populaire arabe dans l’œuvre de Béla Bartók : Analyse de l’œuvre ethnomusicologique et son impact sur l’œuvre créatrice, Paris, université de Paris IV, 2002, pp. 21-25

[18] GUETTAT, Mahmoud, La musique classique du Maghreb, Paris, Sindbad, 1980, pp. 202-203.

[19] BOUZAR-KASBADJI, Nadya, Francisco Salvador-Daniel. Pèlerin des musiques méditerranéennes anciennes, Revista De Musicología, vol. 16, no. 4, 1993, pp. 2002.

[20] TRABELSI, Mehdi, La musique populaire arabe dans l’œuvre de Béla Bartók : Analyse de l’œuvre ethnomusicologique et son impact sur l’œuvre créatrice, Paris, université de Paris IV, 2002, pp. 21-25

[21] Ibid.

[22] Ibid.

[23] BOUZAR-KASBADJI, Nadya, Francisco Salvador-Daniel. Pèlerin des musiques méditerranéennes anciennes, Revista De Musicología, vol. 16, no. 4, 1993, pp. 1998-2016.

[24] https://www.musicologie.org/Biographies/bizet_georges.html consulté le 3 septembre 2021.

[25] SLONIMSKY, Nicolas, Yradier, Sebastian. Baker’s Biographical Dictionary of Musicians, New York, Schirmer Books, Ed. 6, 1978, 1929 p.

[26]  TRABELSI, Mehdi, La musique populaire arabe dans l’œuvre de Béla Bartók : Analyse de l’œuvre ethnomusicologique et son impact sur l’œuvre créatrice, Paris, université de Paris IV, 2002, pp. 21-25

Tags: تأثير /الموسيقى ا/لمغاربية /على الإبداع الموسيقي الأوروبي في القرن التاسع عشر: فرانسيسكو سلفادور-دانييل وسيطاً ثقافياً
المنشور السابق

في ظلّ الأب: المدينة وطن في صيغة ظل قراءة لفيلم My Father’s Shadow إخراج: أكينولا ديفيس جونيور (Akinola Davies Jr.) نيجيريا

المنشور القادم

اتحاد كتاب المغرب العربي يختتم دورته الثانية في ليبيا

منصور مهني

منصور مهني

المنشور القادم
اتحاد كتاب المغرب العربي  يختتم دورته الثانية في ليبيا

اتحاد كتاب المغرب العربي يختتم دورته الثانية في ليبيا

اترك تعليقاً إلغاء الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

16 + = 26

  • الرئيسية
  • عن الجمعية
  • افتتاحية
  • مستجدات
  • رأي حر
  • تاريخ
  • جمعيات

© 2020 Voix d'avenir - Développé par VICOM.

No Result
View All Result
  • الرئيسية
  • عن الجمعية
    • جمعية المسائل والمفاهيم المستقبلية
    • مجلة صوت المستقبل
    • موقع صوت المستقبل
    • الأرشيف
    • شركاؤنا
  • افتتاحية
  • مستجدات
  • رأي حر
  • تاريخ
  • جمعيات

© 2020 Voix d'avenir - Développé par VICOM.