«وين يأخذنا الريح»: رحلة الفن والحرية في قلب تونس

ينتمي فيلم «وين يأخذنا الريح» إخراج آمال القلاتي إلى نمط السينما التي تتجاوز السرد المباشر لتصبح فضاءً للتأمل الرمزي والفلسفي. لا يروي الفيلم أحداثًا فقط، بل يفتح لنا نافذة على تونس الحيّة، على جروحها وأحلام شبابها، وعلى صرخة الحرية المختبئة خلف الواقعية اليومية. هو فيلم عن واقع الشباب التونسي بعد الثورة، عن الحلم، عن الفن الذي يصرخ في وجه القيود الاجتماعية والسياسية، عن الجسد الذي يتحمّل مسؤولية الواقع لكنه لا يتخلى عن حرية الروح.
وضعية الشخصيات: عليسة ومهدي بين الحلم والواقع
هما لوحة البلاد
عليسة، طالبة باكالوريا، تتحمّل عبء العائلة منذ فقدان والدها، ورعاية أمها المريضة وأختها الصغيرة زينب. هذا العبء يجعل منها شخصية مزدوجة الصفة: مسؤولة وحرّة في الوقت ذاته. وهي، رغم أعبائها، تبحث عن فضاء واسع لحلمها، عن مكان تستطيع فيه التعبير عن روحها ومواهبها.
مهدي، الرسام العاطل عن العمل، يشكل معها ثنائيًا تمثل تجربتهما صراع الشباب مع الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، صراع من أجل التعبير، صراع مع ولاءات المنظومة التي تقرر مصير الفن والأحلام. هذا الثنائي ليس مجرد شخصيات، بل رمز لشباب تونس الباحث عن الحرية وسط القيود.
الرحلة إلى جربة: اختبار الحرية والكرامة
ليست رحلة عليسة ومهدي إلى جربة مجرد انتقال مكاني، بل رحلة تأمل في الحرية والفن والمقاومة. سيارة مستعارة، حادث، عطب، مرور اضطراري إلى سوسة، لحظات فرح ورقص، مطاردة، وتعنيف بسبب لباس عليسة، كل هذه الأحداث تعكس قيود المجتمع على حرية الفرد، وصدمة الواقع أمام الحلم.
يقدم مهدي في المناظرة، عمله الفني المتميز، ويحظى بالثناء، لكنه لا يفوز بسبب الولاءات والمحسوبيات، ما يعكس المفارقة بين القيمة الفنية الحقيقية وقرارات المؤسسات المشوهة. عند عودة عليسة إلى تونس، تبدأ في فتح ورشة والدها لإعادة إنتاج الفن وتفجير الإبداع، بينما يسافر مهدي إلى إيطاليا، تاركًا التواصل مع عليسة كدليل على استمرار الريح، على استمرار الحلم، على استمرار الصرخة الفنية.
الفن والخيال السريالي: الفلسفة كرقصة أو لماذا لا ندرس المتافيزيقا كرقصة..؟
وظفت المخرجة الصورة السينمائية لتعريفنا بتونس ، لكنها أوقفت الواقعية لتفتح نافذة على خيال عليسة السريالي. مثال ذلك أستاذة الفلسفة المحجبة وهي ترقص أثناء تدريس الميتافيزيقا، مشهد يعكس قدرة الفيلم على تحويل المعرفة والفكر إلى حركة وجسد ورقص، وهو نقد ضمني للأنظمة الجامدة والمعارف المكرورة. الفلسفة هنا ليست مجرد مادة جامدة، بل جسد يتحرك، روح تتنفس، ورقص يحرر الفكر.
: الريح، الفن، والجروح، أعماق تونس
الريح في الفيلم هي رمز للصوت الحر، صوت النساء حين يقررن الثورة، وصوت الشباب حين تتعثر الأحلام. جروح الشخصيات، ككف الأم المجروحة ووجوه عليسة ومهدي المعنفة، تمثل جروح تونس الغائرة. أما اللوحة المنتهكة، فهي وجه الفن المقموع، الإبداع المظلوم، وصرخة ضد الرقابة والظلم الاجتماعي.
عليسة، في مسارها من الشمال إلى الجنوب، تتحرك كأنها لوحة تمشي على الطرقات، جسدها يتقاطع مع الفن المقموع والصوت الضائع في الفيافي. الطبيعة، الشعير، القمح، الزيتون، كل هذه العناصر تصبح فضاءً لتجسيد المقاومة، للخيال، ولتحقيق الذات.
الوعي بالجسد، التربية الجنسية ، التابوهات.
يطرح الفيلم سؤال الوعي بالجسد ضمن أفق تحليلي يتقاطع مع مقاربات فلسفية وسوسيولوجية حديثة، ترى في الجسد بناءً رمزيًا يخضع لمنظومات السلطة والمعرفة. فوفق ميشال فوكو، لا يُدار الجسد عبر المنع الصريح فقط، بل عبر الصمت، والتأجيل، وتنظيم ما يجوز قوله وما يجب كتمانه. في هذا الإطار، تبدو التربية الجنسية الغائبة أو المشوَّهة إحدى آليات إنتاج الجهل بالجسد، لا بوصفه نقصًا معرفيًا فحسب، بل كأداة لضبط الرغبة وتطويعها اجتماعيًا.
لا يتعامل الفيلم مع التابوهات باعتبارها خطوطًا حمراء ثابتة، بل باعتبارها نتاجًا تاريخيًا وثقافيًا قابلاً للمساءلة. وهنا يلتقي العمل مع تصور بيار بورديو للجسد كحامل للهابيتوس الاجتماعي، حيث تُزرع داخل الأجساد أشكال الطاعة والخجل والرقابة الذاتية منذ الطفولة. الشاب في الفيلم لا يعيش صراعًا أخلاقيًا بقدر ما يعيش توترًا بين جسد محسوس وجسد مُؤدلج، بين تجربة ذاتية وخطاب اجتماعي يُملي عليه كيف يشعر وكيف لا يشعر.
من هذا المنطلق، فإن تقييم الفيلم أخلاقيًا يُعدّ إسقاطًا خارجيًا يختزل تعقيده الدلالي. فالفيلم لا يدافع عن سلوكيات، ولا يدينها، بل يشتغل ضمن ما يمكن تسميته بـ سينما الوعي النقدي، حيث تتحول الصورة إلى أداة تفكير، لا إلى وسيلة تطبيع أو استفزاز. إن القبلة، الجسد، والرغبة لا تُقدَّم كأحداث، بل كعلامات سيميائية تكشف هشاشة خطاب أخلاقي يجرّم التعبير أكثر مما يفهمه.
هكذا، يمكن اعتبار الفيلم كتابة سينمائية ذكية تعبر عنّا بوصفنا ذواتًا مأزومة بعلاقتها مع الجسد، وتستدعي إعادة التفكير في التربية، الخطاب، والسلطة الرمزية التي تُمارس باسم الأخلاق. إنّه عمل لا يقدّم أجوبة جاهزة، بل يفتح أفقًا تأويليًا يضع الجسد في موقع السؤال، لا في قفص الإدانة.
: الريح كحلم مستمر
«وين يأخذنا الريح» يؤكد أن الحلم والمقاومة ممكنان دائمًا، حتى في أصعب الظروف. الفن، كما الريح، هو صرخة مستمرة، عين على عالم أفضل، وجسد يرفض الخضوع للقيود. الفيلم لا يقدم إجابات جاهزة، بل يفتح مساحة تأويلية للقارئ والمشاهد، حيث تصبح عليسة رمزًا للحرية، والرغبة في التعبير، والتحدي لكل ما يقيد الروح.

وين يهزّك الريح…
سافر واحلم، حتى لو كانت الأحلام غير مضمونة.
تونس ولّادة، وعليسة حُلمة، ساكنة في قلب كل تونسي، في التراب، في السحاب، و في البحر.
JCC Carthage Film Festival
فوزية ضيف الله

