الوسم: طاهر شريعة/سينما/قرطاج/رهانات/راهن

طاهر شريعة والدورة 36 من أيام قرطاج السينمائية: حين يُمتحَن المشروع في راهنه  لم تكن الدورة  36 من أيّام قرطاج السينمائيّة مجرّد رقمٍ إضافي في سرديّة المهرجان، بل لحظة اختبارٍ حقيقيّة لروح المشروع الذي أسّسه طاهر شريعة. فهذه الدورة جاءت محمّلة بأسئلةٍ مركّبة: سؤال التنظيم في سياق ثقافي هشّ، سؤال البرمجة في زمن تضخّم العروض، وسؤال المعنى في لحظة تتنازعها السوق، والهويّة، وتحوّلات الذائقة. في هذا السياق، يمكن النظر إلى الدورة 36 بوصفها محاولة واعية لاستعادة المعنى، لا عبر الشعارات، بل من خلال اختيارات برمجيّة عكست، في عمقها، ذلك الرهان القديم المتجدّد: أن تكون السينما فعلَ تفكير قبل أن تكون حدثًا احتفاليًا. لقد بدا واضحًا أنّ هذه الدورة انحازت، في أكثر من مستوى، إلى سينما الأسئلة لا سينما الأجوبة الجاهزة. أفلام تشتغل على الذاكرة الجريحة، على الجسد بوصفه حقل صراع رمزي، وعلى الفرد في علاقته بعنف التاريخ اليومي، دون ادّعاء تمثيل كلي أو خطاب تبشيري. هذا المنحى يلتقي، في جوهره، مع تصوّر طاهر شريعة للسينما كمساحة للتوتر الخلّاق، لا كمنبرٍ للوعظ أو الإدانة. ولعلّ أحد أبرز ملامح الدورة 36 هو تراجع مركزية “القضيّة الكبرى” لصالح تفكيك التجربة الفرديّة. غير أنّ هذا التحوّل لا يمكن قراءته بوصفه انكفاءً أو فردانيّة مفرغة، بل كتحوّل جمالي يعكس وعيًا جديدًا بأنّ السياسي لم يعد يُقال فقط عبر الشعارات، بل عبر التفاصيل الصغيرة، والهشاشة، والصمت، والفراغ. وهي مقاربة تنسجم مع رهانات السينما المعاصرة التي آمن بها شريعة في بعدها المستقبلي، لا الأيديولوجي المغلق. كما كشفت الدورة عن نضج تنظيمي وإعلامي ملحوظ، لا بوصفه غاية في حدّ ذاته، بل كشرط ضروري لحماية الفعل الثقافي من الارتجال. غير أنّ هذا الاحتراف لم يُفرغ المهرجان من روحه، بل ساهم، نسبيًا، في توفير مناخ يسمح للأفلام بأن تُشاهَد وتُناقَش خارج الضجيج. وهنا، تحديدًا، تتقاطع الإدارة مع الرؤية: إدارة لا تُدجِّن المعنى، بل تهيّئ له شروط الظهور. غير أنّ الرهان الأعمق الذي كشفت عنه الدورة 36 يتمثّل في سؤال النقاش النقدي. فعلى الرغم من ثراء العروض، ظلّ النقاش – في بعض مفاصله – أقلّ عمقًا من الأسئلة التي طرحتها الأفلام نفسها. وهو ما يعيدنا مباشرة إلى طاهر شريعة، الذي لم يرَ في المهرجان شاشة فقط، بل مختبرًا فكريًا، حيث يُعاد إنتاج المعنى عبر الجدل، والاختلاف، والكتابة النقديّة الرصينة. من هذه الزاوية، تبدو الدورة 36 ناجحة في استعادة جوهر المشروع، لكنّها تظلّ مطالَبة بتعميق هذا المسار: بتشجيع النقد، بإعادة الاعتبار للندوات التأويليّة، وبفتح الفضاء أمام قراءات لا تُهادن ولا تُؤدلج. هكذا، يمكن القول إنّ الدورة السادسة والثلاثين لم تُغلق أسئلة طاهر شريعة، بل أعادت فتحها في زمنٍ مختلف. فهي دورة تؤكّد أنّ أيّام قرطاج السينمائيّة لا تزال قادرة على أن تكون مكانًا للسؤال، شرط ألا تتحوّل إلى ذاكرة مطمئنّة، أو إلى مهرجان يكتفي بإدارة النجاح. فطاهر شريعة، في حضوره الغائب، لا يُطالِبنا بالاحتفاء به، بل بأن نواصل القلق الذي زرعه: قلق الصورة، قلق المعنى، وقلق الحرّيّة.

طاهر شريعة والدورة 36 من أيام قرطاج السينمائية: حين يُمتحَن المشروع في راهنه لم تكن الدورة 36 من أيّام قرطاج السينمائيّة مجرّد رقمٍ إضافي في سرديّة المهرجان، بل لحظة اختبارٍ حقيقيّة لروح المشروع الذي أسّسه طاهر شريعة. فهذه الدورة جاءت محمّلة بأسئلةٍ مركّبة: سؤال التنظيم في سياق ثقافي هشّ، سؤال البرمجة في زمن تضخّم العروض، وسؤال المعنى في لحظة تتنازعها السوق، والهويّة، وتحوّلات الذائقة. في هذا السياق، يمكن النظر إلى الدورة 36 بوصفها محاولة واعية لاستعادة المعنى، لا عبر الشعارات، بل من خلال اختيارات برمجيّة عكست، في عمقها، ذلك الرهان القديم المتجدّد: أن تكون السينما فعلَ تفكير قبل أن تكون حدثًا احتفاليًا. لقد بدا واضحًا أنّ هذه الدورة انحازت، في أكثر من مستوى، إلى سينما الأسئلة لا سينما الأجوبة الجاهزة. أفلام تشتغل على الذاكرة الجريحة، على الجسد بوصفه حقل صراع رمزي، وعلى الفرد في علاقته بعنف التاريخ اليومي، دون ادّعاء تمثيل كلي أو خطاب تبشيري. هذا المنحى يلتقي، في جوهره، مع تصوّر طاهر شريعة للسينما كمساحة للتوتر الخلّاق، لا كمنبرٍ للوعظ أو الإدانة. ولعلّ أحد أبرز ملامح الدورة 36 هو تراجع مركزية “القضيّة الكبرى” لصالح تفكيك التجربة الفرديّة. غير أنّ هذا التحوّل لا يمكن قراءته بوصفه انكفاءً أو فردانيّة مفرغة، بل كتحوّل جمالي يعكس وعيًا جديدًا بأنّ السياسي لم يعد يُقال فقط عبر الشعارات، بل عبر التفاصيل الصغيرة، والهشاشة، والصمت، والفراغ. وهي مقاربة تنسجم مع رهانات السينما المعاصرة التي آمن بها شريعة في بعدها المستقبلي، لا الأيديولوجي المغلق. كما كشفت الدورة عن نضج تنظيمي وإعلامي ملحوظ، لا بوصفه غاية في حدّ ذاته، بل كشرط ضروري لحماية الفعل الثقافي من الارتجال. غير أنّ هذا الاحتراف لم يُفرغ المهرجان من روحه، بل ساهم، نسبيًا، في توفير مناخ يسمح للأفلام بأن تُشاهَد وتُناقَش خارج الضجيج. وهنا، تحديدًا، تتقاطع الإدارة مع الرؤية: إدارة لا تُدجِّن المعنى، بل تهيّئ له شروط الظهور. غير أنّ الرهان الأعمق الذي كشفت عنه الدورة 36 يتمثّل في سؤال النقاش النقدي. فعلى الرغم من ثراء العروض، ظلّ النقاش – في بعض مفاصله – أقلّ عمقًا من الأسئلة التي طرحتها الأفلام نفسها. وهو ما يعيدنا مباشرة إلى طاهر شريعة، الذي لم يرَ في المهرجان شاشة فقط، بل مختبرًا فكريًا، حيث يُعاد إنتاج المعنى عبر الجدل، والاختلاف، والكتابة النقديّة الرصينة. من هذه الزاوية، تبدو الدورة 36 ناجحة في استعادة جوهر المشروع، لكنّها تظلّ مطالَبة بتعميق هذا المسار: بتشجيع النقد، بإعادة الاعتبار للندوات التأويليّة، وبفتح الفضاء أمام قراءات لا تُهادن ولا تُؤدلج. هكذا، يمكن القول إنّ الدورة السادسة والثلاثين لم تُغلق أسئلة طاهر شريعة، بل أعادت فتحها في زمنٍ مختلف. فهي دورة تؤكّد أنّ أيّام قرطاج السينمائيّة لا تزال قادرة على أن تكون مكانًا للسؤال، شرط ألا تتحوّل إلى ذاكرة مطمئنّة، أو إلى مهرجان يكتفي بإدارة النجاح. فطاهر شريعة، في حضوره الغائب، لا يُطالِبنا بالاحتفاء به، بل بأن نواصل القلق الذي زرعه: قلق الصورة، قلق المعنى، وقلق الحرّيّة.

طاهر   لم تكن الدورة 36 من أيّام قرطاج السينمائيّة مجرّد رقمٍ إضافي في سرديّة المهرجان، بل لحظة اختبارٍ حقيقيّة ...