الموسيقى كاستقصاء للروح: موسيقى كريم الثليبي في فيلم صباط الغولة

لا تُقاس أهمية الموسيقى التصويرية في فيلم صباط الغولة بوظيفتها التزيينية أو بمقدار حضورها السمعي، بل بقدرتها على النفاذ إلى البنية النفسية العميقة للفيلم. فقد أنجز كريم الثليبي موسيقى لا تُرافق الصورة بقدر ما تُحاورها، ولا تُفسّر الحدث بقدر ما تُربكه، لتتحوّل بذلك إلى أداة استقصاء داخلي، تشتغل في منطقة بين الوعي واللاوعي، حيث يتشكّل الخوف بوصفه حالة ذهنية قبل أن يكون واقعة درامية.
الموسيقى بوصفها خطابًا نفسيًا
يختار الثليبي الاشتغال على اقتصاد صوتي صارم، قائم على النغمة المقتضبة، والذبذبات الخافتة، والمساحات الصامتة التي لا تقل دلالة عن الصوت ذاته. بهذا الخيار، لا تسعى الموسيقى إلى توجيه انفعال المتفرّج أو قيادته نحو ذروة جاهزة، بل تتركه معلّقًا في حالة انتظار مضطرب، حيث يصبح الصمت نفسه جزءًا من الكتابة السمعية. إننا أمام موسيقى لا تصرخ، ولا تُفزع مباشرة، وإنما تُربك، وتزرع القلق كحالة مستمرة، لا كصدمة عابرة.
في هذا المستوى، تتحرّر الموسيقى من التبعية للصورة، وتغدو خطابًا نفسيًا مستقلاً، يشتغل على ما لا يُرى: الخوف المكبوت، الذاكرة الجريحة، والهشاشة الوجودية التي تحكم الشخصيات. فهي لا تقول ما يحدث، بل تُصغي إلى ما يحدث داخل النفوس.
من الرعب الحدثي إلى الرعب الذهني
تمتاز الموسيقى التصويرية في فيلم صباط الغولة بانتقالها من منطق الرعب القائم على الحدث إلى رعب أكثر تعقيدًا، رعب يتشكّل في الذهن قبل أن يتجسّد في الصورة. هنا تؤدي الموسيقى دورًا حاسمًا في هذا التحوّل، إذ ترفض القوالب الكلاسيكية لموسيقى الرعب، القائمة على التصعيد الفجّ والمؤثرات الصادمة، وتستبدلها بمنطق التسلّل البطيء داخل الوعي.
تُبنى الجملة الموسيقية على التكرار غير المطمئن، وعلى انكسارات صوتية طفيفة، توحي بأن شيئًا ما يختلّ باستمرار، دون أن يبلغ لحظة الانفجار. هذا اللااكتمال المتعمّد هو ما يجعل الخوف دائمًا، وغير قابل للحسم، بما ينسجم مع رؤية الفيلم للعنف والصدمة كحالات تاريخية ونفسية معلّقة، لا تُغلق بسهولة.
الموسيقى والذاكرة: صوت ما لم يُقل
تتجاوز موسيقى صباط الغولة بعدها الدرامي لتلامس الذاكرة الجماعية، حيث يتحوّل الصوت إلى صدى لماضٍ لم يُحسم بعد. لا تُحيل الموسيقى إلى زمن محدّد بقدر ما تخلق إحساسًا بزمن عالق، زمن تتداخل فيه طبقات الماضي والحاضر، وتذوب الحدود بين التجربة الفردية والتاريخ الجمعي.
في هذا السياق، يمكن قراءة الموسيقى ككتابة للغياب، وكأثر لما لم يُروَ سرديًا. إنها تُعبّر عمّا تعجز الشخصيات عن قوله، وتُجسّد الصمت بوصفه حمولة نفسية، لا فراغًا دلاليًا. ومن هنا تكتسب الموسيقى بعدها التأويلي، إذ لا تُفهم بشكل مباشر، بل تُحسّ، وتُستقبل بوصفها تجربة داخلية.
نحو سايكوسينما مغاربية
يسهم عمل كريم الثليبي في دفع الفيلم نحو تخوم السايكوسينما (Psychocinéma)، حيث لا يكون الرعب موضوعًا للعرض، بل تجربة حسّية ونفسية يعيشها المتفرّج من الداخل. فالموسيقى لا تُحدّد لنا كيف نشعر، بل تفتح فجوة داخل الإحساس، وتجعلنا نصغي إلى قلقنا الخاص ونحن نشاهد الفيلم.
بهذا المعنى، تصبح الموسيقى عنصرًا تأسيسيًا في هوية صباط الغولة الجمالية، لا مجرد مكمّل تقني. إنها كتابة صوتية للذات المأزومة، وجسر بين الصورة والنفس، وبين الحكاية والذاكرة. وبهذا الاشتغال الدقيق، يؤكد كريم الثليبي أن الموسيقى التصويرية ليست فنًا تابعًا، بل ممارسة فكرية وجمالية قادرة على إنتاج المعنى، وعلى تحويل السينما إلى تجربة إصغاء عميق للروح.
فوزية ضيف الله

