فيلم «صباط الغولة»: أزمة الكتابة السينمائية بين الاستسهال السردي وغياب البحث المعرفي

يسعى فيلم «صباط الغولة» إلى الاشتغال على الذاكرة الفردية والجماعية، مستندًا إلى المرجع الأسطوري والحمولة الرمزية، مع إدماج ثيمة إنسانية معاصرة تتمثّل في مرض الزهايمر، إضافة إلى حضور شخصية الكاتب داخل المتن الفيلمي. غير أنّ هذا التعدّد الموضوعاتي لا يجد ترجمته في كتابة سينمائية محكمة، إذ يصطدم الفيلم بإشكاليات بنيوية تتعلّق باستسهال مهمة الكتابة، وضعف الربط بين الأزمنة، وغياب البحث المعرفي، ما يُنتج خطابًا مشتّتًا يفتقر إلى العمق الدراماتورجي.
1. السيناريو والدراماتورجيا: فكرة بلا بناء
تعتمد الكتابة السينمائية، في بعدها التقني، على تحويل الفكرة إلى بنية سردية قائمة على الصراع، التحوّل، والسببية. في «صباط الغولة»، يظلّ السيناريو حبيس الفكرة الرمزية الأولى، دون أن ينجح في تطويرها دراميًا. فالأحداث لا تتقدّم وفق منطق تصاعدي، ونقاط التحوّل السردي شبه غائبة، ما يجعل الإيقاع متراخيًا وغير منتج للتوتّر.
تتحرّك الشخصيات داخل سرد أفقي، لا يتيح لها التطوّر أو إعادة تعريف ذواتها، وهو ما يُضعف اشتغال الفيلم على الزمن بوصفه عنصرًا دراماتورجيًا أساسيًا.
2. استسهال شخصية الكاتب: من وظيفة درامية إلى قناع خطابي
يُدرج الفيلم شخصية الكاتب بوصفها عنصرًا مفصليًا، غير أنّ هذا الإدراج يتمّ بمنطق الاستسهال السردي. فالكاتب لا يُبنى كشخصية ذات مسار نفسي أو تاريخ خاص، بل يُستعمل كأداة تفسيرية أو كقناع لتمرير خطاب جاهز حول الذاكرة، النسيان، والكتابة.
وظيفيًا، لا يؤثّر الكاتب في تطوّر الأحداث، ولا يُحدث اختلالًا في مسار السرد، بل يظلّ معلقًا بين الداخل والخارج، دون موقع واضح داخل المنظومة الدرامية. وبدل أن تكون الكتابة موضوعًا إشكاليًا يُساءل سينمائيًا، تتحوّل إلى فكرة مُعلنة، تُقال أكثر مما تُبنى، وهو ما يُفرغ حضور الكاتب من أي رهانات جمالية أو سردية حقيقية.
3. مرض الزهايمر: موضوع ثقيل بلا بحث
يستدعي الفيلم مرض الزهايمر باعتباره ثيمة مركزية، غير أنّ الاشتغال عليه يفتقر إلى العمق المعرفي. فالزهايمر، بوصفه مسارًا تدريجيًا ومعقّدًا يمسّ الذاكرة، اللغة، الإدراك، والعلاقات الاجتماعية، يتطلّب بحثًا دقيقًا من أجل تحويله إلى مادة درامية قابلة للتجسيد السينمائي.
في الفيلم، يُختزل المرض إلى مظاهر عامة وسطحية، تُستعمل لتبرير النسيان أو التشظّي، دون بناء تحوّلات نفسية أو سلوكية مقنعة. هذا الاختزال يُحوّل المرض من تجربة إنسانية معيشة إلى استعارة رمزية جاهزة، تُضاف إلى تراكم العلامات دون أن تؤسّس سردًا أو تُعمّق الشخصيات.
4. الماضي والحاضر: قطيعة زمنية بلا منطق سردي
من أبرز إشكاليات الفيلم عدم توضيح العلاقة بين ماضي الشخصيات وحاضرها. فالماضي يُستدعى في شكل ومضات أو إشارات مبهمة، دون أن يُدمج داخل البنية السردية بوصفه عنصرًا مفسّرًا أو مُحرّكًا للفعل الدرامي.
لا نلمس أثرًا واضحًا للذاكرة على السلوك الحالي للشخصيات، ولا تتشكّل علاقة جدلية بين ما كان وما هو كائن. وبهذا يفقد الزمن الفيلمي عمقه، ويتحوّل إلى تعاقب لحظات منفصلة، لا إلى مسار تتداخل فيه الذاكرة، المرض، والتجربة الحياتية.
5. الرمز والأسطورة: تراكم دلالي بلا اقتصاد
يعتمد الفيلم بكثافة على الرمز والأسطورة، غير أنّ هذا الاشتغال يتمّ دون اقتصاد دلالي أو ضبط وظيفي. فالرمز لا ينبثق من السياق الدرامي، بل يُقحم عليه، ما يحوّله من أفق مفتوح للتأويل إلى علامة مُغلقة تُفرض على المتلقّي.
هذا الإفراط في الترميز، دون دعم سردي، يُنهك الخطاب الجمالي ويُضاعف من تشتّت المعنى.
6. الإخراج والصورة: شكل بلا وظيفة سردية
يُراهن الإخراج على الصورة والجوّ العام لتعويض ضعف الكتابة، غير أنّ الصورة، في غياب بنية سردية متينة، تتحوّل إلى عنصر شكلي. فاللقطات الطويلة والإيقاع البطيء لا تُنتج توتّرًا ولا تُراكم حدثًا، بل تؤكّد الفراغ الدرامي.
الصورة لا تُعيد تنظيم الزمن ولا تُعمّق الذاكرة البصرية، بل تظلّ خارج الفعل السردي.
يكشف فيلم «صباط الغولة» عن أزمة كتابة سينمائية تتجلّى في استسهال وظيفة الكاتب داخل السرد، وضعف الربط بين الماضي والحاضر، وغياب البحث المعرفي في الاشتغال على مرض الزهايمر. فالفيلم يراكم النوايا الرمزية دون أن يحوّلها إلى تجربة سينمائية حسّية وزمنية.
فوزية ضيف الله

