أيام قرطاج السينمائية : الدورة السادسة والثلاثين
حين تُدار السينما بثقة، ويتجدّد الحبّ لتونس
تؤكّد الدورة السادسة والثلاثين من أيام قرطاج السينمائية أنّ المهرجانات لا تُقاس بضجيجها الإعلامي ولا بعدد نجومها، بل بقدرتها على التنظيم، وضوح الرؤية، واحترام الجمهور وصنّاع الأفلام معًا. في هذه الدورة، بدت أيام قرطاج السينمائية واثقة من نفسها، مطمئنّة إلى تاريخها، ومُنصتة لراهن السينما وأسئلتها.
جاءت الدورة منظَّمة بدقّة، حيث سارت العروض والندوات واللقاءات المهنية بانسيابية واضحة، دون ارتباك أو استعراض. تنظيم يقوم على التراكم والخبرة، لا على ردّ الفعل، ويجعل من الانضباط إطارًا يسمح للسينما بأن تُرى وتُناقَش في أفضل شروطها.
كان الحضور كثيفًا ومتنوّعًا: جمهور شغوف، نقّاد، مهنيون، وطلبة سينما، أعادوا لقاعات العرض روحها الجماعية. هذا الإقبال لم يكن عابرًا، بل عكس ثقة متجدّدة في المهرجان وبرمجته، وفي قدرته على اقتراح أفلام تُخاطب الذائقة دون أن تُهادنها.
تميّز المكتب الإعلامي بحضور مهني لافت، قائم على سرعة التواصل، دقّة المعلومة، وانفتاح واضح على مختلف المنابر الصحفية. إعلام لا يسعى إلى صناعة الحدث بقدر ما يواكبه، ويمنح للصحافة شروط العمل الجادّ دون توتّر أو إقصاء.
أما الإدارة، فقد بدت رصينة، واعية بثقل الاسم الذي تحمله أيام قرطاج السينمائية، وبمسؤولية المحافظة على مكانته في المشهدين العربي والإفريقي. إدارة لا تبحث عن البريق السريع، بل عن الاستمرارية، وعن ترسيخ تقاليد تنظيمية تحترم السينما بوصفها فعلًا ثقافيًا قبل أن تكون مناسبة احتفالية.
جاءت البرمجة واثقة في اختياراتها، منفتحة على تنوّع الأشكال والأساليب، دون التفريط في البعد السياسي والاجتماعي والإنساني الذي شكّل دائمًا جوهر هذا المهرجان. أفلام تُحاور الواقع، تُنصت للهامش، وتطرح أسئلة معاصرة دون الوقوع في فخّ الموضة أو الشعارات
في هذه الدورة، لا ترفع أيام قرطاج السينمائية صوتها عاليًا لتعلن نجاحها، بل تترك الوقائع تتحدّث: تنظيم محكم، جمهور حاضر، إدارة واعية، وبرمجة تعرف ما تريد قوله. وبهذا الهدوء الواثق، يتجدّد ويتعمّق حبّنا لتونس؛ تونس التي تعرف كيف تحمي ثقافتها، وكيف تجعل من السينما مساحة حرية، ذاكرة، وحوار مفتوح مع العالم.
أيام قرطاج السينمائية، في دورتها السادسة والثلاثين، ليست مجرّد مهرجان ناجح، بل تجربة ثقافية تؤكّد أنّ السينما حين تُدار بعقل، تصبح فعل انتماء
JCC Carthage Film Festival
فوزية ضيف الله

